حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تشهد السياسة الزراعية في أنغولا تحولًا تدريجيًا في التعامل مع الكائنات المعدلة وراثيًا بعد سنوات من الحظر الكامل، حيث بدأت السلطات تتجه نحو السماح المحدود باستخدام هذه التقنيات، في خطوة تهدف إلى دعم بعض المحاصيل الصناعية الاستراتيجية وتحسين الأداء الزراعي الوطني.
وأعلنت وزارة الزراعة الأنغولية، في بيان، السماح باستيراد وإنتاج بذور القطن والخروع المعدلة وراثيًا، مع الإبقاء على قيود صارمة تمنع استخدامها في إنتاج الزيوت الغذائية، وهو ما يعكس مقاربة حذرة تقوم على التجريب والتنظيم بدل الانفتاح الكامل.
ويأتي هذا القرار بعد أكثر من عقدين من السياسة الصارمة التي فرضتها البلاد منذ عام 2004، والتي كانت تحظر بشكل كامل إنتاج أو استيراد الكائنات المعدلة وراثيًا، ما يجعل هذا التغيير بمثابة تحول تدريجي في الرؤية الزراعية للدولة.
وتشير السلطات إلى أن استخدام هذه البذور سيخضع لشروط تنظيمية ورقابية دقيقة تحددها وزارة الزراعة، خصوصًا فيما يتعلق بالبحث العلمي أو الزراعة التجريبية، في إطار مراقبة دقيقة لتأثير هذه التقنيات على الإنتاج والبيئة.
ويُنظر إلى هذا الانفتاح المحدود على أنه خطوة مرتبطة بالحاجة إلى إنعاش محاصيل صناعية رئيسية، وعلى رأسها القطن والخروع، حيث يُستخدم القطن في صناعة النسيج، بينما يُعد الخروع مادة أساسية في صناعة الوقود الحيوي.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن يساهم إدخال القطن المعدل وراثيًا في رفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المبيدات وخفض تكاليف الإنتاج، مما قد يعزز تنافسية القطاع الزراعي، الذي يعاني منذ سنوات من ضعف المردودية.
ورغم الطموحات الحكومية، تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة بين الأهداف والواقع، إذ كانت أنغولا قد أطلقت منذ عام 2014 خطة لإعادة إحياء قطاع القطن، بهدف استغلال 70 ألف هكتار وتحقيق إنتاج سنوي يبلغ 100 ألف طن ابتداءً من 2017، إلا أن إنتاج عام 2024 لم يتجاوز 3300 طن فقط على مساحة 5836 هكتارًا، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة.
هذا الضعف في الإنتاجية ينعكس بشكل مباشر على قطاع النسيج المحلي، حيث أدت ندرة المادة الأولية في فترات سابقة إلى تعطيل بعض المصانع، من بينها مصنع “أفريكا تيكستيل”، ما يعكس هشاشة سلاسل القيمة المرتبطة بالقطن.
مقارنةً بذلك، تُظهر تجارب دول إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا، التي اعتمدت القطن ” بي تي” منذ عام 1997، مستويات إنتاجية أعلى بكثير، حيث بلغ متوسط الإنتاج نحو 2.5 طن للهكتار بين 2020 و2024، مقابل 0.78 طن للهكتار فقط في أنغولا خلال الفترة نفسها، ما يبرز حجم الفجوة التقنية والإنتاجية.
وتهدف هذه المشاريع إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الصناعات التحويلية، وإدماج أنغولا في سلسلة القيمة العالمية للوقود الحيوي، بما يساهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط الخام.
ويعكس هذا التوجه الجديد محاولة أنغولا تحقيق توازن بين التحفظ البيئي التقليدي والاحتياجات الاقتصادية المتزايدة، عبر تبني حلول تكنولوجية محسوبة المخاطر، تستهدف في المقام الأول دعم الإنتاجية الزراعية وإنعاش القطاعات الصناعية المرتبطة بها.