في ظل تصاعد موجات الحر وتزايد حرائق الغابات التي تجتاح عدداً من الدول الأوروبية، بدأت حكومات وخبراء البيئة في البحث عن حلول وقائية أكثر استدامة، لتبرز من جديد فكرة الاعتماد على قطعان الماعز والأغنام كوسيلة طبيعية للحد من مخاطر اندلاع الحرائق، بدلاً من الاكتفاء بالتدخل بعد اشتعالها عبر الطائرات وصهاريج المياه.
وتعتمد هذه المقاربة على توجيه الحيوانات الرعوية إلى المناطق الحرجية والمراعي الطبيعية لتتغذى على الأعشاب والشجيرات الجافة التي تشكل وقوداً سريع الاشتعال خلال فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يساهم في إنشاء ما يشبه “حواجز طبيعية” تحد من سرعة انتشار النيران وتقلل من شدتها.
وتكتسب هذه الفكرة اهتماماً متزايداً في أوروبا، خاصة بعد التجارب الميدانية الناجحة التي سجلتها عدة مناطق في إسبانيا، مثل إكستريمادورا والأندلس وفالنسيا، حيث أظهرت الدراسات أن الرعي المنظم ساهم في تقليص كثافة الغطاء النباتي القابل للاحتراق، وبالتالي الحد من اتساع رقعة بعض الحرائق.
ويرى مختصون أن الوقاية يجب أن تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها عمليات الإطفاء، مؤكدين أن إدارة الغابات والمناطق الريفية بشكل مستدام تمثل الحلقة الأساسية في مواجهة الكوارث الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مؤسسة “باو كوستا” الإسبانية المتخصصة في إدارة حرائق الغابات، جوردي فيندريل، أن تمويل نشاط الرعاة ينبغي أن يعامل باعتباره استثماراً في الأمن البيئي، تماماً كما يتم تمويل فرق الحماية المدنية والإطفاء، لأن الرعي يمثل خط الدفاع الأول ضد اندلاع الحرائق.
ويشير خبراء إلى أن تراجع أعداد المزارعين والرعاة في المناطق الريفية خلال العقود الأخيرة أدى إلى اتساع مساحات الأراضي المهجورة، ما سمح بتراكم الأعشاب والشجيرات الجافة التي تتحول إلى بيئة مثالية لانتشار النيران بسرعة كبيرة.
كما أكد مرصد كوبرنيكوس التابع للاتحاد الأوروبي أن أغلب الحرائق الكبرى الأخيرة اندلعت في مناطق واسعة من الغابات والأراضي الشجرية المتصلة، وهي مناطق يسهم الرعي المنتظم في تقليل كثافة الغطاء النباتي فيها وخفض مستوى المخاطر.
ورغم ذلك، لا يزال قطاع الرعي يواجه تحديات اقتصادية كبيرة، إذ يعتمد عدد كبير من المربين على الإعانات الحكومية بسبب تراجع مردودية النشاط، وهو ما يدفع المختصين إلى المطالبة بوضع برامج دعم وتشجيع تستهدف استقطاب الشباب إلى هذه المهنة الحيوية.
وفي إقليم كاتالونيا الإسباني، برز مشروع “قطعان النار” كنموذج رائد يجمع بين حماية البيئة ودعم الاقتصاد المحلي، حيث تقوم السلطات، بدعم من صناديق أوروبية، بتمويل رعي الأغنام والماعز في المناطق المصنفة عالية الخطورة من حيث اندلاع الحرائق، وفق خرائط تحددها فرق مكافحة النيران.
ولم يقتصر نجاح المبادرة على الجانب البيئي، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي أيضاً، إذ أصبحت منتجات المشاركين في المشروع، مثل الأجبان والألبان، تحمل علامات تعريفية توضح مساهمتها في حماية الغابات، ما منحها قيمة تسويقية إضافية لدى المستهلكين.
وتستخدم مناطق أوروبية مختلفة أنواعاً متعددة من الحيوانات لتحقيق الهدف نفسه، من بينها الماعز والأغنام والأبقار وحتى الخيول، في إطار برامج إدارة مستدامة للغطاء النباتي.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الرعي المنظم يمكن أن يشكل أحد الحلول الفعالة للتكيف مع آثار التغيرات المناخية، مشيرة إلى أنها تدرس إدراج آليات دعم إضافية للمزارعين والرعاة ضمن السياسة الزراعية المشتركة المقبلة، بهدف تشجيع الممارسات التي تسهم في الوقاية من حرائق الغابات.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن مستقبل مكافحة الحرائق في أوروبا لن يعتمد فقط على تطوير وسائل الإطفاء الجوية والأرضية، بل أيضاً على إعادة الاعتبار لإدارة الأراضي الريفية، ودعم الرعي التقليدي باعتباره وسيلة طبيعية وفعالة لتقليل الوقود النباتي، وتعزيز قدرة الغابات على مقاومة الحرائق في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..