حققت ولاية ميلة إنجازاً فلاحياً جديداً يكرس مكانتها في صدارة الولايات الجزائرية المنتجة للثوم، بعدما سجلت خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 حصيلة إنتاج قياسية بلغت 1 مليون و619 ألفاً و325 قنطاراً، وهو رقم غير مسبوق يعكس القفزة النوعية التي عرفتها هذه الشعبة خلال السنوات الأخيرة، بفضل توسع المساحات المزروعة، وتحسن المردودية، واعتماد الفلاحين على التقنيات الزراعية الحديثة، فضلاً عن المرافقة التقنية التي وفرتها المصالح الفلاحية.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت تعمل فيه الجزائر على تعزيز إنتاجها من المحاصيل الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على الواردات، حيث أصبح الثوم من الشعب الفلاحية التي تعرف نمواً متسارعاً، سواء من حيث الإنتاج أو الجودة، بما يسمح بتلبية حاجيات السوق الوطنية وفتح آفاق جديدة أمام الصناعات التحويلية والتصدير مستقبلاً.
• إنتاج قياسي يفوق التوقعات ويؤكد تطور الشعبة
وكشفت مديرية المصالح الفلاحية لولاية ميلة أن الكمية الإجمالية المحصودة خلال الموسم الحالي بلغت 1.619.325 قنطاراً، تم جنيها من مساحة إجمالية قدرت بـ 2.887 هكتاراً، وهو ما جعل الولاية تحافظ للسنة الثانية على التوالي على موقعها كأكبر منتج للثوم في الجزائر.
ولم تقتصر أهمية هذا الإنجاز على حجم الإنتاج فحسب، بل تجلت أيضاً في تجاوزه لكل التقديرات الأولية التي وضعتها المصالح التقنية مع بداية الموسم، حيث كانت التوقعات تشير إلى إنتاج يقارب 1 مليون و550 ألف قنطار، قبل أن تكشف الحصيلة النهائية عن زيادة تجاوزت 69 ألف قنطار، وهو ما يعكس نجاح الموسم الفلاحي بصورة لافتة.
وأكد رئيس مصلحة تنظيم الإنتاج والدعم التقني بمديرية المصالح الفلاحية، محمد بن قويطن، أن النتائج المسجلة جاءت ثمرة العمل الميداني المتواصل الذي بذله الفلاحون، إلى جانب المتابعة التقنية التي رافقت مختلف مراحل الإنتاج، مما مكن من تحقيق مستويات إنتاجية مرتفعة وجودة عالية للمحصول.
• التلاغمة القلب النابض لإنتاج الثوم
وتتركز المساحات الكبرى المزروعة بالثوم في الجهة الجنوبية من ولاية ميلة، وعلى وجه الخصوص داخل محيط السقي بالتلاغمة، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الأقطاب الوطنية المتخصصة في إنتاج هذه المادة.
وتشمل هذه المنطقة عدداً من البلديات الرائدة، على غرار التلاغمة، ووادي العثمانية، ووادي سقان، والمشيرة، حيث استفاد الفلاحون من توفر المياه وشبكات الري الحديثة، إلى جانب خصوبة التربة والظروف المناخية المناسبة، وهو ما ساهم في رفع الإنتاج وتحسين نوعية المحصول.
ويؤكد فلاحون أن هذا التجمع أصبح يمثل نموذجاً ناجحاً في تطوير الزراعات ذات القيمة الاقتصادية العالية، بفضل اعتماد تقنيات حديثة في السقي والتسميد ومكافحة الأمراض، فضلاً عن التنظيم المحكم للمسار التقني منذ مرحلة الغرس وحتى الحصاد.
ويرجع المهنيون هذا الأداء المتميز إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، يأتي في مقدمتها تحسن الظروف المناخية التي عرفها الموسم الحالي، والتي وفرت بيئة ملائمة لنمو النباتات خلال مختلف مراحلها.
كما ساهم اعتماد الفلاحين على البذور المنتقاة والمعتمدة، واحترام آجال الزراعة، والتطبيق الدقيق لبرامج التسميد والسقي، في تحقيق مردودية مرتفعة للهكتار الواحد، إضافة إلى التحكم الجيد في مكافحة الأمراض والآفات الزراعية التي غالباً ما تؤثر في إنتاج الثوم.
ويضاف إلى ذلك التطور الكبير الذي شهدته الخبرة التقنية لدى فلاحي الولاية، الذين باتوا يوظفون ممارسات زراعية أكثر احترافية، مع الاستفادة من برامج الإرشاد الفلاحي والدورات التكوينية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على كمية الإنتاج وجودته.
• برنامج وطني ضمان وفرة الثوم طوال السنة
ولمواكبة هذا الإنتاج القياسي، وضعت السلطات الفلاحية برنامجاً خاصاً لتوجيه جزء معتبر من المحصول نحو غرف التبريد، في إطار سياسة وطنية تهدف إلى تنظيم سوق الثوم وضمان استقرار التموين على مدار السنة.
ويهدف هذا البرنامج إلى تفادي الإغراق المؤقت للأسواق خلال فترة الجني، وما يرافقه عادة من انهيار للأسعار، مقابل ضمان توفير كميات كافية خلال بقية أشهر السنة، بما يحافظ على توازن العرض والطلب.
كما سيساهم التخزين المنظم في الحد من المضاربة والاحتكار، وتوفير الثوم بأسعار معقولة للمستهلكين، مع تمكين الفلاحين في الوقت نفسه من تسويق إنتاجهم في ظروف أفضل، بعيداً عن الضغوط التي تفرضها الوفرة الموسمية.
ويرى مختصون أن هذه الآلية أصبحت إحدى أهم أدوات ضبط الأسواق الفلاحية، لأنها تحقق توازناً بين مصالح المنتجين والمستهلكين، وتساعد على استقرار الأسعار، وتحد من التقلبات الحادة التي تشهدها بعض المنتجات الزراعية.
• شعبة استراتيجية تكتسب أهمية متزايدة
وتكتسي زراعة الثوم أهمية اقتصادية متزايدة في الجزائر، بالنظر إلى ارتفاع الطلب عليه سواء للاستهلاك المنزلي أو للاستعمالات الصناعية والغذائية، فضلاً عن قيمته الغذائية والطبية المعروفة.
كما أن التوسع في إنتاج هذه المادة ينسجم مع توجهات الدولة الرامية إلى دعم الزراعات الاستراتيجية، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل توفر الإمكانات الطبيعية والبشرية التي تسمح للجزائر بتغطية احتياجاتها المحلية والتوجه مستقبلاً نحو الأسواق الخارجية.
ويرى خبراء القطاع أن النجاح الذي حققته ولاية ميلة يؤكد قدرة الفلاحة الجزائرية على تحقيق قفزات نوعية عندما تتوفر الظروف المناسبة، سواء من حيث وفرة المياه، أو المرافقة التقنية، أو الاستثمار في وسائل الإنتاج الحديثة.
أثبتت ولاية ميلة مرة أخرى أنها ليست مجرد منطقة إنتاج زراعي، بل أصبحت نموذجاً وطنياً في تطوير شعبة الثوم وتحقيق أرقام قياسية تعكس نجاعة السياسات الفلاحية المعتمدة، وكفاءة الفلاح الجزائري في استغلال الإمكانات المتاحة.
ومع استمرار برامج التوسع في المساحات المزروعة، وتحسين تقنيات الإنتاج والتخزين، تبدو الولاية مرشحة للحفاظ على ريادتها الوطنية، وربما التحول مستقبلاً إلى قاعدة لتطوير صادرات الثوم الجزائري نحو الأسواق الخارجية، خاصة إذا تم الاستثمار أكثر في سلاسل التحويل والتوضيب والتسويق.
ويؤكد هذا الإنجاز أن الفلاحة الجزائرية قادرة على تحقيق نتائج أكبر خلال السنوات المقبلة، متى تواصلت جهود عصرنة القطاع، وتعزيز الاستثمار في الشعب ذات القيمة المضافة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وترسيخ الأمن الغذائي، ويجعل من ميلة عنواناً بارزاً لنجاح الزراعة الجزائرية الحديثة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..