تتجه ولاية عين صالح نحو تعزيز الاستفادة من المخلفات العضوية وتثمينها في المجال الفلاحي، من خلال تطوير إنتاج السماد العضوي والاستفادة من المواد القابلة للتدوير وتحويلها إلى مدخلات يمكن توظيفها في تحسين خصوبة التربة ودعم النشاط الزراعي، لاسيما في المناطق الصحراوية التي تفرض طبيعتها ظروفاً خاصة على الفلاحين والمستثمرين.
وتكتسي هذه التجربة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير حلول محلية ومستدامة لتوفير الأسمدة وتحسين خصوبة الأراضي الزراعية، خاصة أن الزراعة في الجنوب الجزائري تعتمد بشكل متزايد على استصلاح مساحات جديدة وتوسيع المحيطات الفلاحية، وهو ما يرفع الحاجة إلى مواد عضوية تساعد على تحسين خصائص التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.
من المخلفات الخضراء إلى سماد عضوي قابل للاستعمال
وتبدأ عملية إنتاج السماد العضوي بجمع المخلفات الخضراء الناتجة عن عمليات التشجير والبستنة، قبل إخضاعها لعملية طحن تسمح بتحويلها إلى مواد عضوية قابلة للمعالجة والاستعمال.
وبعد ذلك، يتم خلط هذه المخلفات مع الحمأة الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي، وهي مواد عضوية شبه صلبة تتشكل خلال عمليات المعالجة، وتحتوي على عناصر غذائية مختلفة، من بينها النيتروجين والفوسفور والمغنيسيوم والزنك والحديد.
ويخضع الخليط إلى معالجة تسمح برفع درجة حرارته، وهي مرحلة أساسية تهدف إلى القضاء على البكتيريا والكائنات الدقيقة الضارة، قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة من التصنيع.
وفي هذا السياق، يوضح إبراهيم بن سيف البحري، أخصائي مختبر بمصنع السماد العضوي أن العملية تقوم على خلط الحمأة الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي مع المخلفات الخضراء بعد طحنها، بما يسمح برفع درجة الحرارة والقضاء على البكتيريا الضارة.
وتعد مرحلة رفع درجة حرارة الخليط من أهم المراحل التقنية في عملية إنتاج السماد العضوي، باعتبارها تسمح بمعالجة المواد العضوية والتقليل من المخاطر المرتبطة بالكائنات الدقيقة التي يمكن أن تكون موجودة في الحمأة.
وبعد استكمال مراحل المعالجة، يخضع المنتج لعملية غربلة بهدف الحصول على مادة متجانسة، قبل الانتقال إلى التعبئة والتغليف.
ويُوجه السماد الناتج بعد ذلك إلى الاستعمال الفلاحي، حيث يمكن أن يساهم في إثراء التربة بالمواد العضوية والعناصر الغذائية، وتحسين بنيتها، وهو أمر يكتسي أهمية خاصة في الأراضي الصحراوية التي تعاني عادة من انخفاض محتوى المادة العضوية.
المختبر.. خط الدفاع الأخير قبل وصول السماد إلى الفلاح
ولا تتوقف عملية مراقبة جودة السماد عند مراحل التصنيع، إذ تلعب المخابر دوراً محورياً في التأكد من مطابقة المنتج للمواصفات المطلوبة.
وتؤخذ عينات من مختلف مراحل الإنتاج لإخضاعها للتحليل الكيميائي والميكروبيولوجي، كما ترسل عينات أخرى إلى مختبر لإجراء تحاليل إضافية، خاصة للكشف عن الجراثيم والبكتيريا الدقيقة.
وتسمح هذه الإجراءات بالتأكد من سلامة المنتج قبل طرحه للاستعمال، فضلاً عن مراقبة خصائصه ومكوناته ومدى مطابقته للمعايير المعتمدة في إنتاج الأسمدة العضوية.
وتشير المعطيات المقدمة حول التجربة إلى أن النتائج التحليلية للسماد جاءت مطابقة للمواصفات العالمية للأسمدة العضوية، مع التأكد من خلو المنتج من الجراثيم المرضية.
أكثر من 1.5 مليون كيس منذ انطلاق الإنتاج
وتعكس حصيلة الإنتاج أهمية التجربة، إذ تجاوز مصنع السماد العضوي حاجز مليون و500 ألف كيس منذ بداية الإنتاج سنة 2011، مع وجود هدف للوصول إلى مليوني كيس قبل ديسمبر.
ويقول خلفان بن حبيب العامري، مشغل معدات بالمصنع، إن الإنتاج المتراكم منذ انطلاق النشاط سنة 2011 تجاوز مليوناً و500 ألف كيس، مع العمل على بلوغ عتبة مليوني كيس قبل نهاية السنة.
وتبرز هذه الأرقام إمكانية تحويل المخلفات العضوية من عبء بيئي إلى منتج اقتصادي قابل للتثمين، خصوصاً عندما يتم إدماج عمليات الجمع والمعالجة والتصنيع ضمن منظومة متكاملة.
الاقتصاد الدائري يفتح آفاقاً جديدة أمام الفلاحة الصحراوية
وتندرج عملية إنتاج السماد العضوي من المخلفات الخضراء والمواد العضوية ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة إدخال المواد المستعملة في دورة الإنتاج بدلاً من التخلص منها باعتبارها نفايات.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في المناطق الصحراوية، حيث تتوسع المساحات المستصلحة وتزداد الحاجة إلى تحسين التربة ورفع قدرتها الإنتاجية.
فإعادة تثمين المخلفات الناتجة عن التشجير والبستنة يمكن أن تقلل من حجم النفايات، في حين يسمح تحويلها إلى مادة عضوية بإعادتها إلى الدورة الزراعية والاستفادة منها في تحسين خصائص الأراضي.
كما يمكن لهذا النوع من المشاريع أن يساهم في خلق نشاط اقتصادي جديد مرتبط بجمع المخلفات ونقلها ومعالجتها وتصنيعها، فضلاً عن توفير منتجات يمكن أن يستفيد منها الفلاحون والمستثمرون الزراعيون.
عين صالح.. تحويل التربة الصحراوية إلى أرض منتجة
وتواجه الزراعة في عين صالح، مثل مختلف مناطق الجنوب، تحديات مرتبطة بخصائص التربة والمناخ وارتفاع درجات الحرارة ومحدودية المادة العضوية.
ومن هنا تبرز أهمية استعمال الأسمدة العضوية إلى جانب برامج التسميد الأخرى، بهدف تحسين بنية التربة والمساعدة على الاحتفاظ بالرطوبة والعناصر الغذائية.
كما يمكن للسماد العضوي أن يؤدي دوراً مهماً في تحسين خصوبة الأراضي على المدى الطويل، خصوصاً في المناطق التي يتم فيها استصلاح أراضٍ جديدة وتحويلها إلى محيطات منتجة.
وتؤكد المعطيات المقدمة من المصنع حصول سماد “كلأ” على عدد من شهادات الجودة، من بينها شهادات ISO وشهادة OHSAS، إضافة إلى اعتماد مرتبط ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية النظيفة.
وتعكس هذه الاعتمادات، إلى جانب عمليات التحليل والمراقبة المستمرة، أهمية إخضاع صناعة الأسمدة العضوية إلى منظومة دقيقة للجودة والسلامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتج يدخل مباشرة في السلسلة الزراعية.
من معالجة النفايات إلى دعم الإنتاج الزراعي
وتكشف تجربة إنتاج السماد العضوي عن إمكانية الجمع بين هدفين متكاملين: حماية البيئة من خلال تثمين المخلفات، ودعم القطاع الفلاحي عبر توفير مادة عضوية قابلة للاستعمال.
وفي ولاية عين صالح، يمكن لمثل هذه المشاريع أن تكتسب أهمية أكبر مع توسع النشاط الزراعي وظهور استثمارات جديدة في الجنوب، خصوصاً في المحاصيل التي تتطلب تهيئة مستمرة للتربة وامدادها بالمادة العضوية.
وتبقى الخطوة الأهم مستقبلاً هي توسيع عمليات جمع المخلفات الخضراء، وتحسين تقنيات المعالجة، وتعزيز المراقبة المخبرية، وربط إنتاج السماد باحتياجات المستثمرين والفلاحين في المحيطات الزراعية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..