لم يعد يفصل الجزائر سوى أيام قليلة عن إسدال الستار على واحد من أنجح مواسم الحصاد والدرس خلال العقود الأخيرة، وسط مؤشرات ميدانية تؤكد تحقيق إنتاج استثنائي من القمح الصلب والشعير، في موسم وصفه مهنيون بأنه تاريخي من حيث حجم المحصول، واتساع المساحات المحصودة، ومستويات المردودية التي تجاوزت التوقعات في العديد من الولايات.
ومن المقرر أن تنتهي حملة الحصاد والدرس قبل 10 أوت الجاري، بعدما فرضت وفرة الإنتاج واتساع الرقعة المزروعة مواصلة العمليات لضمان جمع كامل المحصول في أفضل الظروف، مع تسخير إمكانات لوجستية وبشرية كبيرة لإنجاح الموسم.
• موسم استثنائي يقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي
تؤكد المعطيات الأولية أن الجزائر تتجه نحو تسجيل واحدة من أفضل حصائل إنتاج الحبوب منذ سنوات طويلة، في ظل النتائج المسجلة عبر معظم الولايات المنتجة، سواء في الهضاب العليا أو الولايات الجنوبية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة قطبا جديدا لإنتاج القمح والشعير.
وأوضح رئيس المجلس الوطني المهني لشعبة الحبوب، عبد الغني بن علي في تصريحات له، أن أغلب الولايات أنهت عمليات الحصاد والدرس، ولم يتبق سوى عدد محدود من الولايات لاستكمالها، مشيرا إلى أن الجزائر تحتاج سنويا ما بين 23 و24 مليون قنطار من القمح الصلب، وما بين 7 و11 مليون قنطار من الشعير حسب المواسم.
وأكد أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية بلوغ مستويات غير مسبوقة من الإنتاج، بما يسمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في القمح الصلب، وهو ما يمثل خطوة استراتيجية في مسار تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز السيادة الغذائية.
• تيارت تفرض نفسها عاصمة الحبوب
وتبرز ولاية تيارت هذا الموسم كأكبر منتج للحبوب على المستوى الوطني، بعدما سجلت إنتاجا استثنائيا في إنجاز يعكس المكانة الريادية لتيارت باعتبارها القلب النابض لإنتاج الحبوب في الجزائر، خاصة في القمح الصلب والشعير، مستفيدة من المساحات الشاسعة المخصصة للزراعة والاعتماد المتزايد على المكننة الحديثة وتحسين نوعية البذور والأسمدة.
• المكننة والتخزين… مفتاح نجاح الموسم
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سلسلة من الإجراءات التي باشرتها السلطات العمومية منذ أشهر، من بينها تعزيز حظيرة الحصادات التي تضم ما يقارب 10 آلاف آلة حصاد، إلى جانب إنشاء تعاونيات فلاحية للمكننة شرعت في اقتناء حاصدات عصرية، فضلا عن تعبئة فرق الصيانة والعتاد وضمان تنقل الآلات بين الولايات وفق احتياجات كل منطقة.
كما لعبت المتابعة اليومية للولاة، وروح التضامن بين الولايات، دورا محوريا في تسريع وتيرة الحصاد، حيث تم تحويل عدد من الحاصدات إلى الولايات التي سجلت كثافة أكبر في الإنتاج، الأمر الذي ساهم في تقليص آجال الحملة.
• المدية… مردودية قياسية ونقاط استقبال جديدة
وفي ولاية المدية، التي سجلت بدورها موسما متميزا، أكد مدير تعاونية الحبوب والبقول الجافة بالبرواقية، وليد بن عطية في تصريحات تلفزيونية، أن حملة الحصاد والدرس لسنة 2026 حققت نتائج فاقت كل التوقعات، بفضل المرافقة الدائمة للفلاحين.
وأشار إلى فتح 21 نقطة لاستقبال الحبوب، إضافة إلى دخول 12 مركزا جواريا حيز الخدمة، مع تدعيمها بفروع للمصلحة التجارية لتسهيل صرف مستحقات الفلاحين، وهو ما ساهم في تسريع عمليات التسليم وتخفيف الضغط على مراكز التجميع الرئيسية.
• المغير… من عاصمة التمور إلى قطب واعد لإنتاج الحبوب
ومن بين أبرز المفاجآت التي حملها موسم 2026، برزت ولاية المغير كواحدة من الولايات الصاعدة بقوة في إنتاج الحبوب، بعدما كانت معروفة أساساً بإنتاج التمور.
فقد شهدت الولاية دخول أربعة مخازن جديدة لتجميع الحبوب بطاقة تخزين إجمالية بلغت نحو 200 ألف قنطار، ما سمح برفع قدرات التخزين من 20 ألف قنطار فقط إلى عشرة أضعاف تقريباً، وهو ما اعتبره مسؤولو القطاع خطوة استراتيجية لتشجيع المستثمرين على التوسع في زراعة الحبوب.
من جهته، أكد رئيس الغرفة الفلاحية بالمغير، الطاهر برجوح، أن هذه المنشآت ستوفر للفلاحين البذور والأسمدة بالقرب من مناطق الإنتاج، ما سيساعد على رفع المساحات المزروعة إلى نحو 24 ألف هكتار خلال الموسم المقبل، مع توقع تحقيق إنتاج أكبر.
ورغم حداثة تجربة زراعة الحبوب في الولاية، فقد تجاوز الإنتاج 12 ألف قنطار، بمردودية فاقت 60 قنطاراً في الهكتار، وهي من أعلى المعدلات المسجلة وطنياً، ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها المناطق الصحراوية.
• غليزان… المخازن الجوارية تخفف الضغط وتختصر زمن الانتظار
وفي ولاية غليزان، ساهم دخول عدد من المخازن الجوارية الجديدة حيز الخدمة في تغيير طريقة استقبال المحصول، بعدما أصبحت نقاط التجميع أقرب إلى المستثمرات الفلاحية، وهو ما انعكس مباشرة على سرعة تفريغ الشاحنات وتقليص فترات الانتظار.
وأكد عدد من الفلاحين أن هذه المنشآت أنهت معاناة التنقل إلى مراكز بعيدة كانت تعرف اكتظاظاً كبيراً خلال مواسم الحصاد، حيث أصبحت عملية تسليم المحصول لا تستغرق سوى دقائق قليلة.
وأوضح مسؤولو وحدات التخزين أن المخازن الجديدة استقبلت آلاف الأطنان من القمح الصلب والقمح اللين والشعير، مع تسجيل نسب امتلاء قاربت 100 بالمائة في بعض المواقع، نتيجة الإقبال الكبير للفلاحين.
وتدعمت بأربعة مخازن جوارية جديدة بطاقة تفوق 200 ألف قنطار، وهو ما مكن من تجاوز مرحلة الذروة بنجاح، وتجميع أكثر من نصف مليون قنطار من الحبوب خلال الحملة.
• التخزين… الحلقة التي صنعت الفارق
ويجمع المختصون على أن توسيع شبكة مراكز التخزين والتجميع شكل أحد أهم عوامل نجاح موسم 2026، بعدما خفف الضغط عن التعاونيات التقليدية، وقلص طوابير الانتظار، وسهل على الفلاحين تسويق محاصيلهم في ظروف جيدة.
كما ساهمت هذه المنشآت في تقليص تكاليف النقل، والحفاظ على جودة الحبوب، وضمان استقبال الإنتاج القياسي الذي سجلته مختلف الولايات.
ولا تقتصر أهمية النتائج المسجلة هذا الموسم على الأرقام فقط، بل تمتد إلى بعدها الاستراتيجي، إذ تعكس التحول الذي تعرفه شعبة الحبوب في الجزائر بفضل توسيع المساحات المسقية، واعتماد أصناف محسنة، وتطوير المكننة، وإنجاز منشآت تخزين جديدة، إلى جانب المرافقة التقنية للفلاحين.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..