حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يشهد قطاع الصيد البحري وتربية المائيات في الجزائر مرحلة تحول عميقة تعكس توجهًا استراتيجيًا جديدًا نحو تعزيز الأمن الغذائي البحري وتقليص التبعية للموارد التقليدية، حيث أعلن وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين وليد، عن هدف طموح يتمثل في بلوغ إنتاج وطني قدره 20 ألف طن من الأسماك مع نهاية سنة 2026.

وجاء هذا الإعلان خلال لقاء وطني موسع بالجزائر العاصمة، جمع إطارات من القطاع وممثلين عن الغرفة الجزائرية للصيد البحري وتربية المائيات، إضافة إلى مهنيين ومتعاملين اقتصاديين، في إطار تقييم شامل لوضع الشعبة واستشراف آفاقها المستقبلية.

ويأتي هذا التوجه في سياق سياسة وطنية جديدة تهدف إلى تنويع مصادر الإنتاج الغذائي، وتثمين الثروات البحرية، وتحويل تربية المائيات إلى رافد اقتصادي حقيقي قادر على دعم السوق الوطنية وتوفير بدائل مستدامة للبروتين الحيواني.

 استزراع 80 مليون سمكة كرافعة أساسية للإنتاج

أكد الوزير خلال عرضه أن القطاع عرف خلال الفترة الأخيرة ديناميكية غير مسبوقة، تجسدت في استزراع حوالي 80 مليون وحدة من صغار السمك من نوعي “القاجوج” و“ذئب البحر”، وهو ما يمثل قاعدة إنتاجية ضخمة ستسمح بتغيير تدريجي في حجم العرض الوطني من المنتجات السمكية.

هذه العملية ليست مجرد إجراء تقني، بل هي جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من التفريخ والاستزراع، وصولًا إلى التسويق والتحويل الصناعي، بما يسمح برفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ويُنتظر أن تساهم هذه الكميات المستزرعة في مضاعفة الإنتاج الوطني خلال سنة 2026، وهو ما يعادل عمليًا تحقيق قفزة نوعية في قطاع ظل لسنوات يعتمد بشكل كبير على الصيد التقليدي.
لم يقتصر العرض على تربية المائيات فقط، بل تطرق أيضًا إلى قطاع الصيد البحري التقليدي، الذي يعرف بدوره إعادة تنظيم تهدف إلى تحسين الإنتاج وضبط الاستغلال المستدام للثروة السمكية.

وأشارت المصالح المعنية إلى أن الجزائر تمكنت من استرجاع حصتها في صيد التونة الحمراء، والمقدرة بـ 2467 طنًا لسنة 2026، وهو مكسب مهم بالنظر إلى القيمة الاقتصادية العالية لهذا النوع من الأسماك في الأسواق الدولية.
كما أعلن عن إطلاق نشاطات جديدة تتعلق بتسمين التونة داخل المياه الجزائرية، وهو توجه حديث يهدف إلى تحويل الثروة البحرية من مجرد مورد خام إلى منتوج ذي قيمة مضافة عالية، قادر على دعم الصادرات وتعزيز مداخيل القطاع.

 اتفاق موريتانيا: توسع جغرافي في النشاط البحري

في سياق الانفتاح على الشراكات الدولية، يعد الاتفاق المبرم مع موريتانيا “تاريخي”، نظرًا لما يتيحه من فرص غير مسبوقة للصيادين الجزائريين للعمل خارج المياه الإقليمية الوطنية.

وينص هذا الاتفاق على تمكين المهنيين الجزائريين من استغلال حصص صيد في المياه الموريتانية تصل إلى 30 ألف طن، وهو ما يمثل توسعًا جغرافيًا مهمًا في نشاط الصيد البحري الجزائري.

ويرى مختصون أن هذا النوع من الشراكات يعكس توجهًا جديدًا نحو بناء اقتصاد بحري إقليمي، يقوم على التعاون بدل المنافسة، وعلى الاستغلال المشترك للموارد البحرية بطريقة مستدامة.

مشاريع بيئية لإعادة تأهيل الثروة البحرية

ضمن المقاربة البيئية الجديدة، أعلن الوزير عن إطلاق برنامج تعاون مع اليابان يهدف إلى إعادة إحياء الشعاب الاصطناعية في السواحل الجزائرية.

وتعد هذه التقنية من بين أهم الوسائل الحديثة لدعم التنوع البيولوجي البحري، حيث تساهم في خلق بيئات اصطناعية تساعد على تكاثر الأسماك وزيادة المخزون السمكي الطبيعي.

كما ستساهم هذه المشاريع في تحسين جودة المياه البحرية، وتعزيز التوازن البيئي، ودعم استدامة النشاط الصيد البحري على المدى الطويل.

رقمنة القطاع ومكافحة الصيد غير القانوني

في خطوة مهمة نحو تحديث القطاع، تم الكشف عن مشروع ضخم يتمثل في تجهيز 1700 سفينة صيد بنظام مراقبة عبر الأقمار الصناعية قبل نهاية سنة 2026.

ويهدف هذا النظام إلى متابعة دقيقة لحركة سفن الصيد، وضبط عمليات الاستغلال البحري، ومكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظم، الذي يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الثروة السمكية.
كما سيسمح هذا النظام بتحسين إدارة الموارد البحرية، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول نشاطات الصيد، بما يعزز من فعالية التخطيط والاستغلال المستدام.

دعم الاستثمار وتسهيل التمويل في القطاع البحري

ضمن سياسة دعم الاستثمار، تم الإعلان عن استحداث إطار تنظيمي جديد يهدف إلى تسهيل حصول المستثمرين على القروض الخاصة بقطاع الصيد البحري وتربية المائيات.

ويأتي هذا الإجراء في إطار توجه حكومي شامل لتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع دخول رؤوس أموال جديدة إلى القطاع، خاصة في المشاريع المرتبطة بالتحويل والتربية السمكية.

هذه الخطوة ستسمح بخلق ديناميكية اقتصادية جديدة داخل القطاع، من خلال تحفيز المبادرات الخاصة وتوسيع قاعدة المستثمرين.

مقاربة تشاركية وتخطيط طويل المدى

تطوير قطاع الصيد البحري وتربية المائيات يعتمد على مقاربة تشاركية تجمع بين الإدارة والمهنيين والخبراء، في إطار مخطط عمل طموح يهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة.

وتقوم هذه المقاربة على الاستماع إلى انشغالات الفاعلين في الميدان، وتكييف السياسات العمومية مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للقطاع، بما يسمح بتحقيق توازن بين الإنتاج والحفاظ على الموارد الطبيعية.

تؤكد هذه التحولات أن الجزائر تتجه تدريجيًا نحو بناء اقتصاد أزرق حقيقي، يعتمد على استغلال مستدام للموارد البحرية، وتطوير سلاسل إنتاج متكاملة، وفتح المجال أمام الاستثمار الوطني والأجنبي.

ويُنظر إلى تربية المائيات اليوم باعتبارها أحد أعمدة هذا التحول، خاصة مع قدرتها على توفير غذاء مستدام، وخلق مناصب شغل، وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.