حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في غرب إفريقيا، يُعدّ الأرز أحد أهم المواد الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها ملايين السكان في المناطق الحضرية والريفية، حيث يمثل مصدرًا رئيسيًا للسعرات الحرارية، ويأتي ضمن أكثر الحبوب استهلاكًا في المنطقة رغم كونه رابع أكثر المحاصيل إنتاجًا بعد الذرة والدخن والذرة الرفيعة.
ورغم الجهود المبذولة لرفع الإنتاج المحلي، لا يزال السوق الإقليمي يشهد مفارقة واضحة تتمثل في تزايد الإنتاج من جهة، وتزايد الاعتماد على الاستيراد من جهة أخرى، وهو ما يعكس اختلالات هيكلية في سلاسل الإنتاج والتوزيع والتصنيع الغذائي.
وتشير المديرة الإقليمية لغرب إفريقيا في منظمة أغرا، ناتاشا كوفوورولا كويست، إلى البعد التاريخي العميق لهذه الزراعة قائلة: «نزرع الأرز في غرب إفريقيا منذ أكثر من 3000 سنة… كثيرون يعتقدون أنه منتج آسيوي، لكنه غذاء إفريقي… ننتجه منذ قرون على ضفاف نهر النيجر، لكنه لم يتحول بعد إلى اقتصاد أرز حقيقي»، في إشارة إلى أن المشكلة ليست في الإنتاج فقط، بل في غياب منظومة اقتصادية متكاملة حول هذه الشعبة الاستراتيجية.
وتنتشر زراعة الأرز في عدة بيئات طبيعية عبر المنطقة، من غينيا إلى مالي والنيجر، مرورًا بالسهول الفيضية والمناطق الرطبة وغابات المانغروف وحتى المرتفعات، مستفيدة من تنوع الأصناف المحلية التي طورتها المجتمعات الزراعية عبر قرون من الخبرة والتكيف مع الظروف المناخية المختلفة.
في المقابل، يشهد الاستهلاك ارتفاعًا مستمرًا مدفوعًا بالنمو السكاني السريع والتحضر، حيث أصبح الأرز جزءًا لا يتجزأ من النظام الغذائي اليومي في العديد من الدول. ويؤكد الباحث باتريسيو مينديز ديل فيلار من مركز سيراد أن “سهولة طبخ الأرز وتخزينه مقارنة بالحبوب التقليدية الأخرى مثل الدخن أو الفونيو جعله الخيار الأكثر انتشارًا في المدن”.
وبفضل هذه الخصائص، أصبح الأرز حاضرًا في أطباق شعبية واسعة الانتشار مثل “ثيبوديين” و”الأرز الجولوف”، ما عزز مكانته كمادة غذائية مركزية في الثقافة الغذائية لغرب إفريقيا.
وعلى مستوى السوق، يُعد الأرز من أكبر الأسواق الغذائية في القارة الإفريقية، باستهلاك يقارب 20 مليون طن سنويًا، مع معدلات استهلاك مرتفعة للفرد في عدة دول، من بينها كوت ديفوار وبوركينا فاسو وغانا، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الإنتاج المحلي.
ورغم البرامج الحكومية الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، من خلال تحسين البذور ودعم الأسمدة وتطوير أنظمة الري، إلا أن المنظومة الإنتاجية لا تزال تعاني من التجزؤ وضعف الربط بين حلقات الإنتاج والتجميع والتحويل والتسويق، وهو ما يحد من فعالية هذه الجهود.
وفي هذا السياق، يؤكد سونيل داهييا من منظمة اغرا أن الأرز يمثل عنصرًا محوريًا في الأمن الغذائي والتجارة وسبل العيش الريفية، مشيرًا إلى أنه من القطاعات القليلة التي تشهد نموًا في الإنتاج والاستثمار، لكنه لا يزال بحاجة إلى تحول هيكلي حقيقي ليصبح “اقتصاد أرز” متكامل بدل الاكتفاء بزيادة الإنتاج فقط.
وتكشف هذه المفارقة أن التحدي في غرب إفريقيا لا يقتصر على زراعة الأرز، بل يمتد إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة قادرة على تحويل الإنتاج المحلي إلى قوة اقتصادية حقيقية تقلص الاعتماد على الاستيراد وتدعم الأمن الغذائي الإقليمي.