بات قطاع الفلاحة اليوم ركيزة أساسية للاقتصاد الجزائري ويساهم حالياً بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يعكس الجهود الحكومية المتواصلة لخفض فاتورة الاستيراد وتأمين الغذاء محليا.
في سياق الوضع الجيوسياسي غير مستقر في العالم وظروف مناخية متقلبة، جعلت الجزائر من الأرض أداةً لتعزيز قدرتها على الصمود. ونتيجةً لذلك، باتت البلاد تغطي ما يقارب 80% من احتياجاتها الغذائية، بينما كانت قبل بضع سنوات فقط تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية.
في حين لا تزال مجالات استراتيجية تواصل جهودها لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل على غرار الحبوب، واللحوم تسعى الدولة لإنعاش القطاع عبر اللحاق بالعصر الزراعي الجديد من الحقول الذكية إلى الطائرات المسيّرة.
الصحراء ترفع الطاقة الإنتاجية بشكل كبير
ويُتيح التوسع في المناطق الصحراوية فرصًا هائلة، إذ تُساهم هذه الأراضي الجديدة في زيادة الطاقة الإنتاجية بشكل كبير، وتحتاج بالمناسبة لمراكز التبريد ووسائل النقل المناسبة، لتُصبح المحاصيل القادمة من الجنوب بمنأى عن التلف قبل وصولها إلى شمال البلاد.
لذا، يتجاوز التحدي مجرد التخزين، إذ يتطلب بناء سلسلة تبريد متكاملة ومستمرة، من المزرعة إلى المستهلك، عبر أسواق الجملة. وهو استثمار كبير ولكنه ضروري لتحقيق استقرار الأسعار وتجنب النقص الموسمي.
ويلفت المهندس الزراعي صغيري عبد المجيد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين إلى التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث عادت مسألة السيادة الغذائية إلى واجهة النقاش الاقتصادي كأولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن الأمن الطاقوي.
فالأزمات المتلاحقة، بداية من الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الفلاحية الأساسية.
وقال المهندس الجزائري في تصريح لـ”الفلاحية ديزاد”، أمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني رؤية استراتيجية شاملة ترتكز على تقليص التبعية للأسواق الخارجية، وتعزيز الإنتاج الوطني للمدخلات الفلاحية. وفي هذا الإطار، يشكل مشروع استغلال الفوسفات في شرق البلاد، عبر تسريع إنجاز خط السكة الحديدية تبسة–عنابة وتوسعة ميناء عنابة، خطوة محورية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الأسمدة.
مهندس زراعي لـ”الفلاحية ديزاد”: توطين صناعة البذور والأدوية الزراعية ركيزة أساسية في الإنتاج الفلاحي
كما اعتبر أن توطين صناعة البذور والأدوية الزراعية يُعد ركيزة أساسية لضمان استقرار الإنتاج الفلاحي، خاصة في ظل التقلبات الحادة التي تعرفها الأسواق العالمية. فبناء منظومة وطنية متكاملة للمدخلات سيمكن الجزائر من امتصاص الصدمات الخارجية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الغذائية.
وأضاف أنه لم تعد السيادة الغذائية خيارًا، بل ضرورة حتمية تفرضها التحديات الدولية الراهنة. وبينما تتيح أسعار النفط المرتفعة فرصة مالية مهمة، يبقى التحدي الأكبر في استثمار هذه العائدات بشكل ذكي لتأمين الأمن الغذائي الوطني، وتحويل الأزمات العالمية إلى منطلق لبناء اقتصاد فلاحي قوي ومستدام.
وفيما يتعلق بشعبة الحبوب، يؤكد رئيس الغرفة الفلاحية لولاية الجزائر، إبراهيم جريبية في تصريح إذاعي أن تحقيق الاكتفاء منها يبقى مرتبطا بشكل كبير بالتساقطات المطرية، مؤكدا أن الموسم الفلاحي الحالي شهد تحسنا ملحوظا بفضل الأمطار ما يبشر بإنتاج جيد.
غير أنه شدد على ضرورة عدم الاعتماد فقط على الأمطار، بل التوجه نحو الفلاحة الذكية والعصرية، من خلال اعتماد السقي التكميلي والتقنيات الحديثة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أثرت على الموارد المائية، حيث سجل تراجع في منسوب المياه الجوفية وندرة في تساقط الثلوج خلال السنوات الأخيرة.
كما أكد رئيس الغرفة الفلاحية لولاية الجزائر أن الفلاحة لم تعد نشاطاً تقليدياً، بل أصبحت علماً قائماً يتطلب كفاءات شابة ومهندسين مختصين قادرين على إدماج التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج، بما في ذلك استعمال الطائرات دون طيار في المعالجة ومتابعة المحاصيل.
الجزائر لم تستورد بذور القمح منذ أكثر من 30 سنة
وفي سياق تحقيق السيادة الغذائية، أشار جريبية إلى أهمية التحكم في البذور المحلية، مبرزاً أن الجزائر لم تستورد بذور القمح منذ أكثر من 30 سنة، مع العمل حالياً على تطوير بنك للجينات لتعزيز الاستقلالية في هذا المجال الاستراتيجي.
وبخصوص المكننة، أوضح أن الدولة تعمل على تطوير برنامج خاص لتحديث العتاد الفلاحي، غير أن القطاع لا يزال بحاجة إلى يد عاملة مؤهلة في مجال الميكانيك الفلاحي، محذراً من ضياع ما يقارب 30% من الإنتاج بسبب نقص الوسائل والتأطير.
أما فيما يتعلق بالأسعار، اعتبر جريبية أن الفلاح ليس مسؤولاً عنها، مؤكداً أن دوره يقتصر على الإنتاج، في حين تتدخل أطراف أخرى في سلسلة التوزيع، وهو ما يفسر التفاوت المسجل بين وفرة المنتوج في الحقول وارتفاع أسعاره في الأسواق.
وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة إعادة تنظيم السوق، وتفعيل دور التعاونيات الفلاحية، خاصة في مجال التسويق والتخزين، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة، مشيراً إلى أن هناك مرسوماً جديداً قيد الإعداد لتعزيز هذا التوجه.
كما دعا إلى دعم عمليات التحويل والتصدير، لتمكين الفلاح من ضمان مداخيل مستقرة، خاصة في ظل وفرة الإنتاج في بعض الشعب على غرار الحمضيات، التي بلغت مستويات قياسية بفضل اعتماد تقنيات الغرس المكثف.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..