حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تواجه الولايات المتحدة واحدة من أكبر التحولات في تاريخ قطاعها الزراعي، بعدما أصبحت مهددة بفقدان مكانتها كأكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم لصالح البرازيل، في ظل تداخل عوامل اقتصادية وتجارية وجيوسياسية، أبرزها تداعيات الحرب التجارية مع الصين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع أسعار المحاصيل، مقابل الصعود المتسارع للقطاع الزراعي البرازيلي.
وكشفت صحيفة فايننشال تايمز أن عام 2026 قد يشكل نقطة تحول في ميزان تجارة الغذاء العالمية، إذ باتت البرازيل على أعتاب انتزاع الصدارة من الولايات المتحدة، بعدما تقلص الفارق بين صادرات البلدين إلى مستويات غير مسبوقة، وسط تحولات عميقة في الأسواق العالمية.
ورغم أن المزارع الأمريكية ما تزال تحقق مستويات إنتاج مرتفعة، فإن الأزمة الحقيقية تكمن في تراجع العائدات المالية. فالمزارعون يحققون محاصيل قياسية، لكنهم يجدون أنفسهم أمام هوامش ربح ضيقة أو حتى خسائر مباشرة نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية من أسمدة وبذور وطاقة وآلات، إلى جانب انخفاض الأسعار العالمية.
وتجسد مزرعة كوري غودهيو في ولاية أيوا هذه المفارقة؛ إذ سجلت أعلى إنتاج لفول الصويا في تاريخها خلال الموسم الماضي، لكنها تكبدت خسائر مالية، فيما لا يتوقع أن يتجاوز دخلها التشغيلي هذا العام 60 ألف دولار، مقابل مصاريف تشغيلية تفوق مليوني دولار.
وتتوقع رابطة مكاتب المزارع الأمريكية أن تتواصل الضغوط خلال الموسم المقبل، مع تسجيل خسائر في أغلب المحاصيل الرئيسية، إذ ينتظر أن يخسر منتجو فول الصويا نحو 138 دولاراً عن كل فدان، مقابل 167 دولاراً للذرة، و145 دولاراً للقمح، بينما قد تصل خسائر القطن إلى أكثر من 400 دولار للفدان الواحد.
ويرى مراقبون أن نقطة التحول الأساسية تعود إلى عام 2018، عندما فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية على الواردات الصينية، لترد بكين بفرض رسوم مضادة استهدفت المنتجات الزراعية الأمريكية، وعلى رأسها فول الصويا.
وكانت الصين تمثل أكبر مشترٍ لفول الصويا الأمريكي، غير أن الرسوم دفعتها إلى البحث عن موردين جدد، لتتجه بشكل واسع نحو البرازيل، التي استطاعت خلال سنوات قليلة ترسيخ علاقاتها التجارية مع السوق الصينية، مستفيدة من استثمارات ضخمة في التخزين والنقل والتصدير.
ورغم تخصيص الإدارة الأمريكية آنذاك نحو 23 مليار دولار كمساعدات مالية لتعويض المزارعين عن خسائرهم، فإن تلك الإعانات لم تنجح في استعادة السوق الصينية، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المنتج البرازيلي.
ولا يعود صعود البرازيل إلى الحرب التجارية وحدها، بل إلى نموذج إنتاج أكثر مرونة وكفاءة، يعتمد على وفرة الأراضي الزراعية وانخفاض أسعارها نسبياً، إضافة إلى الظروف المناخية التي تسمح بإنتاج محصولين سنوياً، بل ثلاثة محاصيل في بعض المناطق المروية.
وخلال ثلاثة عشر عاماً فقط، تضاعف إنتاج البرازيل من الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية ليصل إلى أكثر من 346 مليون طن في عام 2025، بفضل تطور الأبحاث الزراعية، وتحسين خصوبة الأراضي، واستنباط أصناف ملائمة للمناخ الاستوائي.
كما أصبحت البرازيل اليوم أكبر منتج عالمي لفول الصويا، ولحوم الأبقار، والدواجن، وأكبر مصدر للقطن، وهو ما عزز مكانتها كقوة زراعية عالمية تنافس الولايات المتحدة في أهم الأسواق الدولية.
وفي محاولة لتعويض تراجع الطلب الخارجي، أصبحت الزراعة الأمريكية تعتمد بصورة متزايدة على السوق المحلية، وخاصة صناعة الوقود الحيوي.
فاليوم يوجه نحو 40 بالمائة من محصول الذرة الأمريكي لإنتاج الإيثانول، في ظل الحوافز الحكومية وبرامج خلط الوقود الحيوي بالبنزين، بينما رفعت وكالة حماية البيئة الأمريكية هذا العام نسب المزج إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، بما يوفر سوقاً تقدر قيمتها بنحو 31 مليار دولار لمحاصيل الذرة وزيت فول الصويا.
غير أن هذا التحول أثار انتقادات داخل الأوساط الزراعية، حيث يرى عدد من المزارعين أن الولايات المتحدة باتت “تزرع الوقود أكثر مما تزرع الغذاء”، في إشارة إلى تراجع دورها التقليدي كمورد رئيسي للأسواق الغذائية العالمية.
وترى فايننشال تايمز أن ما يجري اليوم لا يقتصر على تغير ترتيب أكبر مصدري الغذاء في العالم، بل يمثل تحولاً استراتيجياً في مركز الثقل الزراعي العالمي.
فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الزراعية تطوراً وكفاءة، غير أن ارتفاع التكاليف، وفقدان الأسواق التقليدية، وتزايد الاعتماد على الدعم الحكومي، كلها عوامل قلصت قدرتها التنافسية.