حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

شهدت الأسواق الجزائرية خلال الأيام الأخيرة حالة من الارتباك بعد الانتشار الواسع لمنشورات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم وجود حالات تسمم مرتبطة باستهلاك البطيخ الأحمر، المعروف محلياً بـ”الدلاع”، وهو ما أثر بشكل مباشر على حركة البيع والشراء في ذروة موسم الجني، وسط تحذيرات من الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة التي قد تلحق أضراراً كبيرة بالفلاحين والاقتصاد الوطني.
وتزامنت هذه الإشاعات مع بداية ذروة إنتاج وتسويق الدلاع عبر مختلف ولايات الوطن، وهي الفترة التي يعول عليها آلاف الفلاحين لاسترجاع تكاليف موسم فلاحي كامل، بعد أشهر من العمل والاستثمار في الزراعة والسقي والعناية بالمحصول.

• الفلاحون يدافعون عن منتوجهم.. “الدلاع سليم والإشاعات قطعت أرزاقنا”

من قلب الحقول والأسواق، خرج عدد كبير من الفلاحين والتجار للدفاع عن جودة المنتج الوطني، مؤكدين أن الدلاع الجزائري يخضع لمعايير الإنتاج المعمول بها، وأن ما يتم تداوله عبر بعض الصفحات لا يستند إلى أي تقارير رسمية صادرة عن الجهات الصحية أو الرقابية.
وأكد العديد من المنتجين أن الإشاعات تسببت في تراجع واضح في الطلب خلال أيام قليلة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسعار وعلى مداخيل الفلاحين الذين استثمروا مبالغ معتبرة في هذا الموسم.
ويرى هؤلاء أن نشر أخبار غير مؤكدة لا يضر بفلاح واحد فقط، بل يمس سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ من المنتج، مروراً بالناقل وتاجر الجملة وتاجر التجزئة، وصولاً إلى المستهلك الذي يفقد الثقة في المنتوج الوطني.

• الفيدرالية الوطنية لأسواق الجملة تستنكر حملات التشويه

وفي هذا السياق، أصدرت الفيدرالية الوطنية لأسواق ووكلاء الجملة للخضر والفواكه، التابعة للاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين، بياناً شديد اللهجة استنكرت فيه ما وصفته بالإشاعات المغرضة التي تستهدف منتوج الدلاع وتمتد في مضمونها إلى التشكيك في جودة المنتوجات الفلاحية الجزائرية بصفة عامة.
وأكد رئيس الفيدرالية، يعقوب بحاري، أن هذه الأخبار غير المؤسسة على أي دليل علمي أو بيان رسمي تسببت في حالة كساد داخل الأسواق، وألحقت خسائر معتبرة بالفلاحين والتجار في واحدة من أهم فترات التسويق خلال السنة.
واعتبرت الفيدرالية أن التشكيك في سلامة المنتجات الوطنية يمثل تشكيكاً ضمنياً في عمل الهيئات الرقابية والمخابر الجزائرية والمصالح المختصة التي تقوم بمتابعة سلامة الأغذية بشكل مستمر، داعية المواطنين إلى التحلي بروح المسؤولية وعدم تداول الأخبار مجهولة المصدر.
كما شددت على وقوفها إلى جانب الفلاحين والتجار، مؤكدة أن حماية المنتوج الوطني مسؤولية جماعية ترتبط مباشرة بالحفاظ على الأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

زبدي: الشائعات المتداولة تسببت في إلحاق أضرار مادية كبيرة بالفلاحين والتجار

من جانبه، أكد مصطفى زبدي رئيس المنظمة الوطنية لحماية وإرشاد المستهلك أن الشائعات المتداولة حول تسمم فاكهة الدلاع تسببت في إلحاق أضرار مادية كبيرة بالفلاحين والتجار، حيث أدى ذلك إلى تلف بضائعهم وتعرضهم لخسائر مالية جسيمة نتيجة تراجع ثقة المستهلك.
وأكد زبدي في مقطع فيديو نشره عبر حسابه بفيسبوك في سياق توضيحي لمفهوم التسمم الغذائي، ميز المتحدث بين نوعين: الأول “التسمم الحاد” الذي يحدث جراء تناول أغذية ملوثة ويسبب أعراضًا فورية مثل الإسهال والقيء، والثاني “التسمم المزمن” الذي ينتج عن تراكم المواد الكيميائية في الجسم على مدى سنوات طويلة.
وشدد المتحدث على أن قضية التسمم الغذائي لا تقتصر على “الدلاع” فحسب، بل تشمل قائمة واسعة من المواد الاستهلاكية كاللحوم، والأجبان، والحليب، والمايونيز، مشيرًا إلى وجود آلاف الحالات سنويًا، وهو ما يستدعي –وفقًا لتعبيره– ضرورة تحديث وتجديد الرقابة في هذا المجال.
وطمأن المتحدث المواطنين بوجود أجهزة رقابية وسلطات قادرة على التدخل الفوري في حال حدوث أي “تسمم غذائي جماعي”، مؤكدًا أن هذا النوع من الحالات لا يمكن التكتم عليه، ومشددًا في الوقت ذاته على أهمية حماية المنتج الوطني وضمان منافسة شريفة في السوق الجزائرية من خلال التعاون بين الجهات الرقابية والمخلصين من الفلاحين والتجار.
ويرى مختصون أن تقييم سلامة أي منتج غذائي لا يتم عبر منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما عبر التحاليل المخبرية والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة أو مصالح الرقابة التابعة لوزارة التجارة والهيئات العلمية المختصة.
ويؤكد خبراء في مجال السلامة الغذائية أن وقوع حادثة معزولة – إن ثبتت – لا يمكن أن يشكل دليلاً على فساد كامل الإنتاج الوطني، لأن أي منظومة زراعية في العالم قد تسجل تجاوزات فردية يتم التعامل معها وفق القوانين، دون تعميم الاتهامات على ملايين الأطنان من المنتجات الزراعية.
كما يشير المختصون إلى أن سلامة الأغذية تخضع لمنظومة رقابة تشمل الإنتاج والنقل والتخزين والتسويق، وهو ما يجعل إصدار أحكام عامة دون تحقيقات علمية أمراً يفتقر إلى الأسس المهنية.

• الجزائر ضمن كبار منتجي البطيخ عالمياً

ويحتل البطيخ الأحمر مكانة مهمة ضمن الإنتاج الفلاحي الجزائري، حيث تصنف الجزائر باستمرار ضمن الدول الكبرى المنتجة لهذه الفاكهة على المستوى العالمي، كما تعد من أبرز المنتجين في المنطقة المغاربية والعربية.
وتنتشر زراعة الدلاع عبر ولايات عديدة، خاصة في الجنوب والهضاب العليا والمناطق الداخلية، مستفيدة من المساحات الزراعية الواسعة والظروف المناخية الملائمة، ما يسمح بتوفير كميات كبيرة للسوق الوطنية، إضافة إلى توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت صادرات البطيخ الجزائري تطوراً ملحوظاً، خصوصاً نحو بعض دول الخليج وأوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، بعد نجاح المنتج الجزائري في اجتياز التحاليل الصحية والمخبرية المطلوبة لدخول تلك الأسواق.
ويرى مهنيون أن هذا النجاح يؤكد خضوع المنتجات الجزائرية لمعايير الجودة الدولية، إذ لا يمكن لأي منتج غذائي أن يدخل الأسواق الخارجية دون استيفاء الشروط الصحية والرقابية الصارمة المعمول بها دولياً.
كما ساهمت التساقطات المطرية التي عرفتها الجزائر خلال الموسم الحالي في تحسين ظروف السقي في عدد من المناطق، وتقليص الضغط على الموارد المائية، وهو ما انعكس بدوره على جودة المحاصيل الصيفية.
ويؤكد مهنيون أن الفلاح يتحمل تكاليف مرتفعة تشمل البذور والأسمدة والسقي واليد العاملة والنقل، وعندما تتراجع المبيعات بسبب إشاعة غير موثقة، فإن الخسارة لا تكون ظرفية فقط، بل قد تمتد آثارها إلى المواسم المقبلة، نتيجة عزوف بعض المنتجين عن مواصلة الاستثمار.

• التصدير دليل على جودة المنتج

ويشير متابعون إلى أن البطيخ الجزائري تمكن خلال السنوات الأخيرة من ولوج عدد من الأسواق الخارجية، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا احترامه لمعايير الجودة والسلامة الصحية المطلوبة.
فكل شحنة موجهة للتصدير تخضع لسلسلة من التحاليل والرقابة الفنية، سواء داخل الجزائر أو في بلدان الاستقبال، وهو ما يمنح مؤشراً إضافياً على قدرة المنتوج الوطني على المنافسة في الأسواق الدولية.