تشير أحدث التقارير الصادرة عن البنك الدولي إلى أن سوق الأسمدة العالمي مقبل على مرحلة ارتفاعات حادة خلال سنة 2026، حيث يُتوقع أن تتجاوز الزيادة في الأسعار نسبة 30%، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وما يرافقها من اضطرابات تمسّ حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة والمواد الأولية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ويأتي هذا التطور في سياق عالمي شديد الحساسية، حيث ترتبط أسعار الأسمدة ارتباطًا وثيقًا بأسواق الغاز الطبيعي والنقل البحري، وهو ما يجعل القطاع الزراعي من أكثر القطاعات عرضة لتقلبات خارجية لا علاقة لها مباشرة بالإنتاج الفلاحي نفسه، بل بالتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.
زيادات قياسية في الأسعار خلال 2025 وبداية 2026
سجلت الأسواق الدولية خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2025 وبداية 2026 ارتفاعات ملحوظة في مختلف أنواع الأسمدة، حيث تجاوز سعر اليوريا حاجز 725 دولارًا للطن في مارس، مسجلًا زيادة تفوق 50% مقارنة بالفترة السابقة، وهو أعلى مستوى منذ أربع سنوات.
كما ارتفع سعر سماد الفوسفات ثنائي الأمونيوم إلى أكثر من 658 دولارًا للطن، في حين عرف كلوريد البوتاسيوم زيادات أقل حدة لكنها تبقى ضمن منحى تصاعدي. ونتيجة لذلك، ارتفع مؤشر أسعار الأسمدة عالميًا بأكثر من 12% في فترة قصيرة، ما يعكس ضغطًا متزايدًا على السوق الدولية.
الغاز الطبيعي.. العامل الحاسم في تحديد الأسعار
يشير البنك الدولي إلى أن العامل الأساسي وراء هذه الزيادات يعود إلى الارتباط المباشر بين إنتاج الأسمدة وأسعار الغاز الطبيعي، حيث يمثل الأخير ما بين 80% و90% من تكلفة إنتاج الأمونيا، المادة الأساسية في تصنيع اليوريا.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في سوق الغاز، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو تقلبات العرض والطلب، ينعكس بشكل مباشر وسريع على أسعار الأسمدة، ما يجعل السوق في حالة هشاشة دائمة أمام الأزمات الدولية.
وبحسب التوقعات، يُنتظر أن يبلغ متوسط سعر اليوريا حوالي 675 دولارًا للطن خلال سنة 2026، قبل احتمال تسجيل تراجع تدريجي في سنة 2027، في حال تحسن أوضاع الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
لكن البنك الدولي يحذر من أن استمرار التوترات الحالية قد يبقي الأسعار في مستويات مرتفعة لفترة أطول، خاصة إذا استمرت القيود على الملاحة أو توسعت رقعة النزاعات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج والتصدير.
يحذر التقرير من أن هذا الارتفاع سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي بشكل كبير، ما قد يضغط على الفلاحين في مختلف دول العالم، خاصة في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة.
كما يشير التقرير إلى احتمال لجوء بعض الدول إلى فرض قيود على تصدير الأسمدة لحماية أسواقها الداخلية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم النقص في الأسواق الدولية ورفع الأسعار أكثر.
ورغم هذه التوقعات السلبية، يرجح البنك الدولي أن يشهد السوق بعض الانفراجات ابتداءً من 2027، خاصة مع دخول قدرات إنتاجية جديدة حيز الخدمة، خصوصًا في كندا التي تُعد من أكبر منتجي البوتاس عالميًا.
غير أن هذه التوقعات تبقى مشروطة باستقرار الأوضاع الجيوسياسية وتحسن سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يجعل المرحلة الحالية من أكثر الفترات حساسية في تاريخ سوق الأسمدة الحديث.
يبقى ارتفاع أسعار الأسمدة أحد أبرز التحديات التي تهدد استقرار القطاع الفلاحي عالميًا خلال 2026، حيث تتقاطع فيه عوامل الطاقة والسياسة والاقتصاد، ما يجعل الأمن الغذائي العالمي أمام اختبار جديد يتطلب سياسات أكثر مرونة وتنسيقًا دوليًا لتقليل آثار الأزمة على الإنتاج الزراعي والأسواق الاستهلاكية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..