يُعدّ التقليم من أهم العمليات الزراعية الأساسية في تسيير البساتين والأشجار المثمرة، وهو عامل حاسم في تحديد جودة الإنتاج وكميته، غير أن هذه العملية الدقيقة لا يمكن التعامل معها بعشوائية أو تركها لغير المختصين، لما لها من تأثير مباشر على نمو الأشجار وإنتاجيتها على المدى القريب والبعيد.
ويؤكد المختصون أن لكل نوع من الأشجار خصائصه البيولوجية والفنية الخاصة في التقليم، ما يجعل من غير الممكن اعتماد نفس الطريقة بين مختلف الأصناف، فالتعامل مع كل شجرة يتطلب معرفة دقيقة بطبيعة نموها ونمط إثمارها وسلوكها الخضري.
فعلى سبيل المثال، أشجار العنب تختلف فيما بينها من حيث أماكن الإثمار، إذ توجد أصناف تُثمر على قصبات عمرها سنة أو سنتين وعلى العيون الأولى والثانية، في حين توجد أصناف أخرى لا تعطي إنتاجًا إلا بعد العين الرابعة أو حتى الثامنة، وهو ما يجعل أي خطأ في طول القصبة أثناء التقليم سببًا مباشرًا في ضعف الإنتاج أو انعدامه في بعض الحالات.
وفي المقابل، تختلف أشجار التفاح عن الخوخ والإجاص في طبيعة الدوابر الثمرية، حيث يمكن لبعض الدوابر في التفاح أن تستمر في الإنتاج لعدة سنوات قد تصل إلى ثماني سنوات، مما يعني أن إزالتها بشكل عشوائي يؤدي إلى خسارة إنتاج مستقبلية، على عكس الخوخ الذي يعتمد على تجديد مستمر للثمار.
كما أن توقيت عملية التقليم يُعد عنصرًا بالغ الأهمية، إذ إن تقديمه في فترات الصقيع قد يؤدي إلى جفاف الأفرع وموتها، بينما تأخيره قد يسبب خروج العصارة النباتية بشكل مفرط، ما يفتح المجال أمام انتشار الأمراض الفطرية والحشرية ويضعف بنية الشجرة بشكل عام.
وينقسم التقليم إلى عدة أنواع حسب الهدف والفترة، من بينها تقليم التربية الذي يبدأ منذ سنة الغراسة الأولى ويستمر لعدة سنوات بهدف بناء هيكل قوي للشجرة قادر على تحمل الإنتاج والرياح، إضافة إلى تقليم الإثمار الذي يهدف إلى تحسين كمية ونوعية المحصول، وتقليم خريفي يركز على إزالة الأغصان الميتة والمكسورة، إلى جانب تقليم خضري في بداية الصيف يهدف إلى تحسين التهوية ودخول أشعة الشمس إلى الثمار.
ويحذر المختصون من إهمال الأشجار في سنواتها الأولى، لما يسببه ذلك من تكاثف خضري مفرط وتداخل في الأفرع، ما يؤدي إلى إنتاج ضعيف الجودة، وانتشار الأمراض، وتسريع شيخوخة الأشجار، إضافة إلى صعوبة عمليات الخدمة والقطف لاحقًا.
وفي هذا السياق، يُعتبر الفصل بين التوقيت المناسب والاختيار التقني السليم للتقليم عاملًا أساسيًا لنجاح البساتين، حيث يُنصح عادة بالقيام بهذه العملية خلال الفترة الممتدة من بداية فيفري إلى نهايته، مع تجنب أيام الصقيع القوي في جانفي، والاعتماد على مختصين أو تكوين ذاتي صحيح قبل الإقدام على تقليم الأشجار.
وفي النهاية، يبقى التقليم علمًا وفنًا في آن واحد، وأي خطأ فيه قد يكلّف سنوات من الإنتاج، بينما إتقانه يضمن بستانًا متوازنًا، منتجًا، وذو جودة عالية ومستدامة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..