تطرح وضعية الغابات في إفريقيا واحدة من أكثر القضايا البيئية تعقيدًا في القارة، حيث تتقاطع الاعتبارات المناخية مع التحولات الاقتصادية والضغط الديمغرافي المتسارع. وبينما تُعد الغابات أحد أهم عناصر التوازن البيئي ومخزونًا طبيعيًا للكربون والتنوع البيولوجي، فإنها تواجه في إفريقيا ضغوطًا متزايدة بفعل التوسع الزراعي، الاستغلال غير المنظم للموارد الخشبية، والاعتماد الكبير على الطاقة التقليدية.
في هذا السياق، تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومعطيات منصة “غلوبال فوريست واتش” إلى أن الغطاء الغابي الإفريقي بلغ حوالي 624.6 مليون هكتار سنة 2023، أي ما يعادل نحو 15% من إجمالي الغابات في العالم. ورغم هذا الرقم الكبير، فإن التوزيع الجغرافي يكشف عن اختلال واضح بين دول تمتلك مساحات غابية شاسعة، وأخرى تعاني من هشاشة بيئية حادة أو غطاء شبه معدوم.
على مستوى الترتيب القاري، تهيمن جمهورية الكونغو الديمقراطية على المشهد الغابي الإفريقي بما يقارب 122.8 مليون هكتار، مستفيدة من امتدادها داخل حوض الكونغو، الذي يُعد ثاني أكبر كتلة غابية استوائية في العالم. وتأتي بعدها أنغولا بـ64.9 مليون هكتار، ثم تنزانيا بـ44.3 مليون هكتار، حيث تلعب الغابات دورًا اقتصاديًا وبيئيًا مهمًا في دعم المجتمعات الريفية وحماية التربة والموارد المائية.
وفي غرب القارة، تبرز نيجيريا كأكبر دولة من حيث المساحات الغابية بحوالي 21.1 مليون هكتار، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها نتيجة التوسع العمراني والضغط السكاني المرتفع. في المقابل، تسجل جيبوتي أدنى نسبة غطاء غابي في إفريقيا، بما لا يتجاوز 6 آلاف هكتار، وهو ما يعكس طبيعتها الصحراوية القاسية.
أما الغابون، فتُعتبر حالة بيئية استثنائية، إذ تتجاوز نسبة الغطاء الغابي فيها 87% من مساحة البلاد، ما يجعلها من أكثر الدول حفاظًا على ثروتها الطبيعية، رغم محدودية حجمها السكاني والاقتصادي.
في خضم هذا الترتيب القاري، تأتي الجزائر في المرتبة 35 إفريقيًا من حيث المساحات الغابية، وهو موقع يعكس بوضوح طبيعة البلاد الجغرافية والمناخية. فالجزائر، بحكم امتدادها الشاسع الذي يتجاوز 2.4 مليون كيلومتر مربع.
تمتد الغابات الجزائرية عبر السلسلة التلية والمناطق الجبلية، خاصة في القبائل، جرجرة، الشلف، سكيكدة، جيجل، وعنابة، إضافة إلى بعض الجيوب الغابية في الهضاب العليا. ورغم أن مساحتها تبقى محدودة مقارنة بدول إفريقيا الاستوائية، إلا أنها تلعب دورًا حيويًا يتجاوز الحجم، إذ تُعتبر حاجزًا طبيعيًا ضد التعرية، ومخزنًا للتنوع البيولوجي، وعاملًا مهمًا في التوازن المناخي المحلي.
غير أن الوضع الغابي في الجزائر يواجه تحديات متزايدة، أبرزها الحرائق المتكررة التي تسجلها بعض الولايات الساحلية والجبلية، إضافة إلى التغيرات المناخية التي أدت إلى تراجع الغطاء النباتي في عدة مناطق.
ورغم هذه التحديات، تبذل الجزائر جهودًا متواصلة للحفاظ على ثروتها الغابية، من خلال برامج إعادة التشجير، وتوسيع المساحات المحمية، وتعزيز أجهزة الوقاية من الحرائق، إلى جانب إدماج البعد البيئي في السياسات الفلاحية والتنموية. كما تعمل الدولة على استعادة المساحات المتدهورة عبر حملات وطنية للتشجير، خصوصًا في إطار برامج مكافحة التصحر وإعادة تأهيل النظم البيئية الهشة.
ومن زاوية استراتيجية، لا يُنظر إلى الغابات في الجزائر كعنصر بيئي فقط، بل كجزء من الأمن الغذائي والمائي والمناخي، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تؤثر مباشرة على الإنتاج الفلاحي واستقرار الأنظمة البيئية. فالغابات تلعب دورًا أساسيًا في تنظيم دورة المياه، حماية التربة من الانجراف، ودعم النشاط الرعوي في بعض المناطق.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..