تُعد الحشرات الثاقبة الماصة من أخطر الآفات الزراعية التي تواجه مختلف المحاصيل، لما تسببه من أضرار مباشرة وغير مباشرة تؤثر بشكل كبير على نمو النباتات وجودة الإنتاج والمردودية الاقتصادية. وتشمل هذه الحشرات عدة أنواع معروفة لدى الفلاحين، أبرزها: المن، التربس، الذبابة البيضاء، والنطاطات أو ما يعرف بـ”الجاسيد”، وهي حشرات تعتمد في تغذيتها على امتصاص العصارة النباتية من الأوراق والسيقان والقمم النامية.
وتكمن خطورة هذه الحشرات في قدرتها الكبيرة على إضعاف النبات تدريجيًا، نتيجة سحب العصارة الغنية بالعناصر الغذائية، مما يؤدي إلى تراجع النمو الخضري وظهور أعراض الاصفرار والذبول العام على النباتات. كما تؤثر بشكل مباشر على كفاءة عملية البناء الضوئي، خاصة بعد تسببها في التفاف وتشوه الأوراق الحديثة، الأمر الذي يقلل من قدرة النبات على تصنيع السكريات والكربوهيدرات الضرورية للنمو والإثمار.
ويؤكد المختصون أن هذه الآفات كانت سابقًا تنشط بشكل أكبر خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، غير أن التغيرات المناخية والتطور البيولوجي للحشرات جعلا ظهورها يمتد إلى فترات متعددة من السنة، ما زاد من صعوبة التحكم فيها ورفع من حجم الخسائر المسجلة في العديد من الزراعات.
ومن بين العوامل التي تجعل هذه الحشرات شديدة الخطورة أيضًا، سرعتها الكبيرة في التكاثر والانتشار، حيث يمكن للأنثى الواحدة أن تضع ما بين 100 و300 بيضة، مع نسبة فقس مرتفعة قد تصل إلى 75 بالمائة، وهو ما يؤدي إلى تضاعف أعدادها في وقت قصير إذا لم يتم التدخل المبكر.
كما تسبب هذه الحشرات تشوهات واضحة على الثمار، خاصة في الزراعات الحساسة مثل الموالح والعنب، حيث يؤدي التربس مثلًا إلى ظهور تشوهات على قشرة الثمار وانخفاض جودتها التسويقية، في حين تؤدي إصابات المن والذبابة البيضاء إلى ضعف عام للنباتات وتأخر التزهير والإنتاج.
ومن الأضرار غير المباشرة الخطيرة كذلك، إفراز هذه الحشرات لما يعرف بالندوة العسلية، وهي مادة سكرية لزجة تلتصق بها ذرات الغبار والأتربة، مما يؤدي إلى غلق الثغور التنفسية للنبات ويعيق عملية التبادل الغازي والامتصاص الطبيعي، إضافة إلى تشجيع ظهور فطر العفن الأسود على الأوراق.
وتُعتبر الحشرات الثاقبة الماصة من أخطر النواقل الطبيعية للأمراض الفيروسية، إذ تنتقل الفيروسات بسهولة من نبات مصاب إلى آخر سليم أثناء عملية التغذية، ما يؤدي إلى انتشار واسع للأمراض الفيروسية داخل الحقول وصعوبة السيطرة عليها لاحقًا.
ولمواجهة هذه الآفات، ينصح المختصون باعتماد برنامج متكامل للمكافحة يبدأ بالإجراءات الوقائية، وفي مقدمتها إزالة الحشائش المحيطة بالمزروعات، باعتبارها مأوى رئيسيًا لتكاثر الحشرات وانتقالها إلى النباتات الاقتصادية. كما يُنصح بالاعتدال في استعمال الأسمدة الآزوتية، لأن الإفراط فيها يؤدي إلى زيادة النمو الخضري الطري الذي يجذب الحشرات بشكل أكبر.
أما في حالة ارتفاع الإصابة، فيتم اللجوء إلى استعمال المبيدات الجهازية المناسبة وفق التوصيات التقنية واحترام فترات الأمان، مع ضرورة المراقبة المستمرة للمحاصيل والتدخل المبكر قبل تفاقم انتشار الآفة، حفاظًا على صحة النباتات وضمان إنتاج وفير وذي جودة عالية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..