حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تشهد سلاسل الغذاء العالمية منذ سنوات حالة من الاضطراب المتكرر، تتجدد مع كل أزمة دولية جديدة، سواء كانت مرتبطة بالطاقة أو اللوجستيك أو التوترات الجيوسياسية، لتكشف في كل مرة عن هشاشة بنيوية عميقة في النظم الغذائية، خاصة في القارة الإفريقية. وآخر هذه الأمثلة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، التي أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة، ما انعكس مباشرة على صغار المزارعين الذين باتوا غير قادرين على تحمل تكاليف الإنتاج المتزايدة، في وقت تلجأ فيه الحكومات إلى حلول تمويلية ظرفية لا تعالج جذور المشكلة.
وعلى مدى عقود، ركزت السياسات الزراعية في إفريقيا على هدف أساسي يتمثل في زيادة الإنتاج ورفع المردودية، باعتبار أن وفرة الإنتاج ستقود تلقائياً إلى تحسين الأمن الغذائي وتحقيق فوائض تنموية. وقد حققت القارة بالفعل تقدماً ملموساً على مستوى المؤشرات الكمية للإنتاج الزراعي، غير أن هذا النجاح الإحصائي لم ينعكس بالضرورة على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين، حيث بقيت المداخيل في مستويات ضعيفة وغير مستقرة.
وتكشف هذه المفارقة عن فجوة متزايدة بين حجم الإنتاج الفعلي والدخل الحقيقي للفلاحين، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات في المرحلة المقبلة من التنمية الزراعية في إفريقيا. فالنظم الزراعية الحالية، رغم قدرتها على إنتاج كميات أكبر من الغذاء، لا تزال عاجزة عن ضمان توزيع عادل للقيمة الاقتصادية على مختلف الفاعلين، خصوصاً المنتجين الصغار الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع الزراعي في القارة.
وفي الواقع، لا يزال أغلب المزارعين الأفارقة في موقع “متلقي الأسعار”، أي أنهم لا يملكون القدرة على التأثير في أسعار منتجاتهم داخل الأسواق، بل يخضعون لتقلباتها. وهذا الوضع يجعلهم الأكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج أو اضطراب سلاسل التوريد إلى إقصاء مباشر للفلاحين ذوي الإمكانيات المحدودة، الذين يفتقرون أيضاً إلى آليات التخزين أو الاحتياطات المالية التي تسمح لهم بالصمود أمام المواسم الصعبة.
وقد أدى هذا الوضع إلى إعادة طرح السؤال الجوهري حول جدوى التركيز الحصري على زيادة الإنتاج دون ضمان آليات عادلة لتوزيع العائدات. فالتجربة أثبتت أن ارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة ارتفاع الدخل الزراعي، وأن المزارع الذي لا يمتلك القدرة على التحكم في شروط التسويق والأسعار قد ينهي الموسم دون أي تحسن في وضعه الاقتصادي، حتى في حال تحقيق إنتاج جيد.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الدخل المستقر كعنصر أساسي في أي استراتيجية للتنمية الزراعية المستدامة، باعتباره شرطاً لتمكين المزارعين من مواجهة الصدمات الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار في الأراضي الزراعية، وضمان استمرارية النشاط الفلاحي، فضلاً عن دوره في تعزيز الاستقرار الاجتماعي في المناطق الريفية.