تُعد سلالة “الدغمة” واحدة من أقدم وأهم السلالات الحيوانية في الجزائر، حيث ارتبط اسمها لعقود طويلة بالريف الجزائري، وبالخصوص بالمناطق الغربية والصحراوية التي شكّلت موطنها الأصلي. هذه السلالة التي كانت يومًا رمزًا للثروة الحيوانية المحلية، أصبحت اليوم تواجه خطر التراجع، في ظل تغيرات عميقة مست قطاع تربية المواشي، سواء على المستوى البيئي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي.
جذور تاريخية عميقة وسلالة متأصلة في الغرب الجزائري
تعود أصول سلالة “الدغمة” إلى مناطق الغرب الجزائري، وتحديدًا إلى ولايات النعامة والبيض وسعيدة وتلمسان وبشار، حيث نشأت وتطورت عبر قرون من التكيف مع بيئة قاسية وشبه صحراوية. وقد سمحت هذه الظروف الطبيعية بتكوين سلالة فريدة من نوعها، قادرة على مقاومة الجفاف والاعتماد على المراعي الطبيعية دون الحاجة إلى تغذية صناعية مكلفة.
هذا التكيف البيئي جعل “الدغمة” ليست مجرد سلالة عادية، بل نموذجًا حيوانيًا يعكس قدرتها على التأقلم وإنتاج ثروة متوازنة ومستدامة، قائمة على الحد الأدنى من التدخل البشري.
حضور رمزي في الذاكرة الوطنية والهوية الريفية
لم تكن “الدغمة” مجرد حيوان اقتصادي، بل تحولت مع مرور الوقت إلى رمز ثقافي واجتماعي حاضر في ذاكرة الأجيال، خاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فقد ارتبطت بالحياة الريفية البسيطة، وباقتصاد الأسرة الفلاحية التقليدية التي كانت تعتمد عليها كمصدر للغذاء والدخل.
كما اكتسبت هذه السلالة بعدًا رمزيًا حين ظهرت في بعض التصاميم النقدية القديمة المرتبطة بالعملة الجزائرية، ما جعلها جزءًا من الذاكرة البصرية والوطنية لدى المواطنين، ورسّخ مكانتها كأحد مكونات الهوية الفلاحية الجزائرية.
خصائص إنتاجية تجعلها سلالة اقتصادية بامتياز
تتميز سلالة “الدغمة” بخصائص إنتاجية جعلتها محل اهتمام المربين والباحثين في المجال الفلاحي، حيث تُعرف بقدرتها العالية على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، إضافة إلى اعتمادها شبه الكامل على الرعي الطبيعي، ما يجعل كلفة تربيتها منخفضة مقارنة بسلالات أخرى تحتاج إلى أعلاف مركبة.
كما تُصنف ضمن السلالات ذات القدرة التناسلية الجيدة، إذ يمكن أن تنتج ما بين خروفين إلى أربعة خراف خلال فترة قصيرة نسبيًا، خاصة عندما تُربى في بيئتها الأصلية. هذه الخصائص جعلتها تُلقب من طرف المربين بالسلالة “الاقتصادية”، نظرًا لقدرتها على تحقيق مردودية جيدة بأقل تكلفة ممكنة.
مرحلة الاستعمار الفرنسي
شهدت سلالة “الدغمة” خلال الفترة الاستعمارية (1830–1962) مرحلة صعبة اتسمت بالاستغلال المكثف، حيث تشير مصادر تاريخية إلى عمليات نقل وتهريب واسعة النطاق لأعداد كبيرة من هذه الأغنام نحو الخارج. وقد ارتبط ذلك بإنشاء بنى تحتية موجهة لتسهيل نقل الثروة الحيوانية، بما في ذلك خطوط السكك الحديدية التي استُغلت في تلك الفترة لأغراض اقتصادية استعمارية.
وتحمل بعض الروايات التاريخية إشارات إلى عمليات نقل ضخمة أثرت على توازن القطيع المحلي، ما جعل هذه السلالة تدخل في مسار من التراجع التدريجي منذ تلك المرحلة، رغم محاولات لاحقة لإعادة الاعتبار لها بعد الاستقلال.
تحولات حديثة وضغوط مناخية تؤثر على السلالة
في العقود الأخيرة، واجهت سلالة “الدغمة” تحديات جديدة أكثر تعقيدًا، فقد ساهمت التحولات المناخية، وتقلص المساحات الرعوية، وتوسع العمران، في تقليص البيئة الطبيعية التي كانت تعتمد عليها هذه السلالة. إلى جانب ذلك، أصبح بعض المربين يفضلون سلالات أكثر إنتاجًا للحوم أو أكثر ربحية على المدى القصير، ما زاد من تراجع أعداد “الدغمة” بشكل ملحوظ.
مبادرات علمية
أمام هذا الوضع، أُطلقت في السنوات الأخيرة عدة مبادرات تهدف إلى حماية سلالة “الدغمة” من الانقراض، من خلال برامج علمية وتقنية تعتمد على تحسين النسل والحفاظ على الخصائص الوراثية الأصلية للسلالة.
ومن بين هذه الجهود، تم إطلاق مشاريع للتلقيح الاصطناعي، وإنشاء وحدات خاصة لتكاثر الفحول الأصيلة، إضافة إلى برامج بحثية تهدف إلى توثيق الخصائص الجينية للسلالة ضمن ما يشبه “بنك جيني” وطني.
كما تعمل بعض المؤسسات الفلاحية المتخصصة على إعادة بعث هذه السلالة في مناطقها الأصلية، عبر تشجيع المربين على الاحتفاظ بالقطيع المحلي، وتوفير الدعم التقني والبيطري اللازم لضمان استمراريته.
أهمية استراتيجية بين الأمن الغذائي والتوازن البيئي
لا تقتصر أهمية الحفاظ على سلالة “الدغمة” على بعدها التراثي فقط، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية تتعلق بالأمن الغذائي الوطني. فهذه السلالة تمثل نموذجًا لتربية مستدامة تعتمد على الموارد الطبيعية المحلية، ما يجعلها أقل تكلفة وأكثر ملاءمة للبيئة الصحراوية وشبه الصحراوية.
كما أن الحفاظ على التنوع الوراثي للثروة الحيوانية يُعد عنصرًا أساسيًا في مواجهة التغيرات المناخية والأزمات الغذائية المستقبلية، وهو ما يمنح “الدغمة” قيمة إضافية تتجاوز بعدها التقليدي.
تمثل سلالة “الدغمة” اليوم أكثر من مجرد نوع من الأغنام، فهي جزء من الذاكرة الفلاحية الجزائرية، وشاهد حي على تاريخ طويل من التعايش بين الإنسان والبيئة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..