حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

تشهد زراعة الذرة في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً، بعدما انتقلت من شعبة فلاحية محدودة الانتشار إلى أحد أهم الرهانات الاستراتيجية التي تعول عليها الدولة لتحقيق الأمن الغذائي، وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية في توفير الحبوب والأعلاف.
وفي صلب هذا التحول، برزت ولايات الجنوب، وفي مقدمتها أدرار وتيميمون والمنيعة، كأقطاب إنتاجية واعدة استطاعت أن تثبت قدرة الفلاحة الصحراوية على تحقيق نتائج لافتة بفضل اعتمادها على التقنيات الحديثة في الري، واستغلال المساحات الشاسعة، والاستثمار في الزراعات ذات القيمة الاقتصادية العالية.
وباتت هذه الولايات تشكل اليوم العمود الفقري لإنتاج الذرة الصفراء والذرة الحبية في الجزائر، مستفيدة من برامج الدولة الرامية إلى استصلاح الأراضي، وتشجيع الاستثمار الفلاحي، وتوسيع المساحات المسقية، في إطار رؤية وطنية تهدف إلى تعزيز السيادة الغذائية، وتوفير المواد الأولية اللازمة لتطوير مختلف الشعب الفلاحية، وعلى رأسها تربية الدواجن والمواشي.

الذرة.. محصول استراتيجي في قلب السياسة الفلاحية الجديدة

لم تعد الذرة مجرد محصول زراعي ثانوي، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية التي تراهن عليها الجزائر لإعادة هيكلة منظومتها الزراعية. فالطلب الوطني على هذه المادة يشهد ارتفاعاً متواصلاً، بالنظر إلى استخدامها الواسع في صناعة الأعلاف، إضافة إلى دخولها في العديد من الصناعات الغذائية والتحويلية.
وتستهلك الجزائر سنوياً الأطنان من الذرة، يتم استيراد الجزء الأكبر منها لتلبية احتياجات مصانع الأعلاف، وهو ما يجعل هذه المادة من بين أكثر المنتجات التي تستنزف احتياطات البلاد من العملة الصعبة.
ولهذا السبب، وضعت السلطات العمومية تطوير إنتاج الذرة ضمن أولوياتها، من خلال تشجيع المستثمرين على التوجه نحو هذه الشعبة، خاصة في الولايات الجنوبية التي أثبتت قدرتها على تحقيق مردودية مرتفعة بفضل توفر الظروف الطبيعية المناسبة.

أدرار.. عاصمة إنتاج الذرة في الجنوب

تتصدر ولاية أدرار قائمة الولايات المنتجة للذرة، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج للفلاحة الصحراوية الحديثة.
وتنتشر زراعة الذرة عبر عدد من الدوائر الفلاحية الكبرى، على غرار أوقروت، تسابيت، زاوية كنتة، فنوغيل وأولف، حيث أصبحت الحقول الواسعة المزودة بأنظمة السقي المحوري مشهداً مألوفاً يعكس حجم التحول الذي تعرفه المنطقة.
ويؤكد مهنيون أن الظروف المناخية لأدرار، رغم قساوتها، تمثل عاملاً مساعداً لنجاح هذه الزراعة عند التحكم في الري، إذ تساهم أشعة الشمس القوية في تسريع نمو النباتات وتحسين جودة المحصول، بينما توفر المياه الجوفية مورداً أساسياً لاستمرار النشاط الفلاحي.
كما ساهمت برامج استصلاح الأراضي الفلاحية في استقطاب مستثمرين جدد، وإنشاء مستثمرات عصرية تعتمد على المكننة والتقنيات الرقمية، وهو ما انعكس على ارتفاع المساحات المزروعة والإنتاج السنوي.

تيميمون… استثمارات كبرى تعزز مكانة الولاية

بدورها، فرضت ولاية تيميمون نفسها كأحد أهم الأقطاب الصاعدة في إنتاج الذرة، بفضل المشاريع الاستثمارية التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز منطقة أوفران ببلدية المطارفة كنموذج لهذا التوسع، حيث تم استغلال مساحات واسعة لزراعة الذرة باستخدام أحدث تقنيات السقي والميكنة الزراعية.
وتسعى السلطات المحلية، بالتنسيق مع مختلف الهيئات الفلاحية، إلى توسيع الرقعة المزروعة، وتشجيع المستثمرين على تنويع الإنتاج الزراعي، بما يجعل الولاية مركزاً وطنياً لإنتاج الحبوب الاستراتيجية.
ويرى مختصون أن الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها تيميمون، إلى جانب برامج الدعم الحكومية، تؤهلها لتكون إحدى أهم مناطق إنتاج الذرة في شمال إفريقيا خلال السنوات المقبلة.

المنيعة.. نموذج للفلاحة الصحراوية الحديثة

حققت ولاية المنيعة بدورها قفزة نوعية في زراعة الذرة، حيث نجحت عدة مستثمرات فلاحية في تحقيق مردودية مرتفعة بفضل اعتمادها على تقنيات السقي الحديثة والزراعة الدقيقة.
وأصبحت الذرة إحدى الشعب الرئيسية التي تراهن عليها الولاية لتنويع الإنتاج الفلاحي، إلى جانب الحبوب والأعلاف والخضروات الصناعية، بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تحويل الجنوب إلى قاعدة إنتاج زراعي كبرى.
ويؤكد مختصون أن التجارب الناجحة المسجلة في المنيعة تعكس الإمكانات الكبيرة للفلاحة الصحراوية، وقدرتها على إنتاج محاصيل كانت إلى وقت قريب حكراً على المناطق الشمالية.
لم يكن النجاح الذي حققته ولايات الجنوب في زراعة الذرة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استثمارات كبيرة في البنية التحتية الفلاحية، شملت تجهيز المستثمرات بأنظمة السقي المحوري، والاعتماد على البذور المحسنة، واستعمال الآلات الزراعية الحديثة في مختلف مراحل الإنتاج.
كما ساهمت برامج التكوين والمرافقة التقنية التي تستفيد منها المستثمرات الفلاحية في تحسين المردودية، ورفع كفاءة استغلال الموارد المائية، وهو ما مكن من تحقيق نتائج إيجابية رغم الطبيعة الصحراوية للمناطق المنتجة.

الأعلاف.. الحلقة الأهم في سلسلة الأمن الغذائي

تكمن أهمية الذرة في كونها المادة الأساسية التي تعتمد عليها مصانع الأعلاف، والتي تمثل بدورها العمود الفقري لقطاعات تربية الدواجن وإنتاج اللحوم الحمراء والحليب.
فكل زيادة في الإنتاج المحلي للذرة تعني تقليصاً مباشراً لفاتورة استيراد الأعلاف، وانخفاضاً في تكاليف الإنتاج بالنسبة للمربين، وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار أسعار المنتجات الحيوانية في السوق الوطنية.
كما أن توفر الذرة محلياً يقلل من تأثر الجزائر بتقلبات الأسعار العالمية، والأزمات التي قد تعطل سلاسل الإمداد الدولية، كما حدث خلال السنوات الأخيرة.

تقليص الاستيراد وتوفير العملة الصعبة

ويؤكد خبراء الاقتصاد الزراعي أن رفع الإنتاج المحلي سيؤدي إلى تقليص فاتورة الواردات تدريجياً، وتوفير ملايين الدولارات من العملة الصعبة، فضلاً عن خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، من خلال تنشيط الصناعات التحويلية المرتبطة بهذه الشعبة.
كما يفتح هذا التوجه المجال أمام إنشاء وحدات جديدة لإنتاج الأعلاف وتحويل الذرة، بما يعزز التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج الزراعي والصناعي.
ولا تقتصر أهمية تطوير زراعة الذرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية، بل تمتد إلى إمكانية التوجه نحو التصدير مستقبلاً، خاصة إذا استمرت وتيرة التوسع الحالية، وارتفعت المساحات المزروعة والإنتاجية.
فالعديد من الدول الإفريقية والعربية تستورد كميات كبيرة من الذرة، وهو ما قد يفتح أمام الجزائر أسواقاً جديدة، خصوصاً مع تطور البنية اللوجستية، وإنجاز مشاريع كبرى للنقل والتخزين، وربط مناطق الإنتاج بالموانئ وشبكات التصدير.

الجنوب مستقبل الفلاحة الجزائرية

أثبتت التجارب المنجزة في أدرار وتيميمون والمنيعة أن الصحراء الجزائرية أصبحت مختبراً حقيقياً للفلاحة العصرية، القادرة على إنتاج المحاصيل الاستراتيجية بكميات معتبرة وجودة عالية.
ومع استمرار برامج الاستثمار، واستصلاح الأراضي، وتعميم التقنيات الحديثة، يتوقع أن تتوسع زراعة الذرة خلال السنوات المقبلة لتشمل مساحات أكبر، بما يجعل الجنوب الجزائري أحد أهم أقطاب إنتاج الحبوب في المنطقة.