مع دخول الجزائر رسمياً فترة “الصمايم”، التي تُعد أكثر مراحل السنة حرارة، تبدأ موجة من الظروف المناخية التي تفرض على المواطنين والفلاحين التأقلم معها.
وتمتد هذه الفترة، وفق التقويم الفلاحي المتوارث، من 25 جويلية إلى بداية شهر سبتمبر، أي لمدة أربعين يوماً كاملة، تتميز بارتفاع في درجات الحرارة، وجفاف الهواء، وتزايد تأثير الرياح الساخنة، وهي مرحلة ارتبطت منذ القدم بعادات فلاحية وأمثال شعبية وتجارب متوارثة شكلت جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان الجزائر، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية.
وتعتبر “الصمايم” محطة سنوية يترقبها الفلاحون باهتمام كبير لما لها من تأثير مباشر على نضج العديد من المحاصيل الزراعية، وفي مقدمتها الفواكه الصيفية والتمور.
• مرحلة مفصلية في التقويم الفلاحي
يربط الفلاحون بداية “الصمايم” بدخول أشد أيام السنة حرارة، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات عليا في العديد من ولايات الوطن، خاصة بالمناطق الصحراوية والهضاب العليا والولايات الداخلية، مع انخفاض في نسبة الرطوبة واشتداد تأثير الرياح الجافة.
وتنقسم هذه الفترة، وفق التقويم الفلاحي التقليدي، إلى مرحلتين رئيسيتين لكل واحدة منهما خصائصها المناخية والزراعية. فالمرحلة الأولى تمتد لعشرين يوماً وتعرف باسم “النار”، وهي الفترة التي تبلغ فيها درجات الحرارة ذروتها، بينما تعرف العشرون يوماً الثانية باسم “النوار”، حيث تبدأ حدة الحرارة في التراجع تدريجياً، وتتهيأ الظروف الطبيعية لاستكمال نضج عدد من المزروعات وبداية التحضير للموسم الفلاحي المقبل.
ويؤكد مختصون في المناخ أن هذه المرحلة تتزامن عادة مع سيطرة كتل هوائية حارة وجافة قادمة من الصحراء، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في درجات الحرارة الذي قد يتجاوز في بعض الولايات 45 درجة مئوية، مع تسجيل نسب تبخر مرتفعة تؤثر بشكل مباشر على الموارد المائية والمحاصيل الزراعية.
• نضج محاصيل الصيف
ورغم قسوة “الصمايم”، فإنها تمثل بالنسبة للفلاحين موسماً بالغ الأهمية، إذ تعتمد العديد من الزراعات الصيفية على الحرارة المرتفعة لاستكمال مراحل النضج.
فخلال هذه الفترة تنضج أصناف عديدة من العنب، والتين، والتين الشوكي، والرمان المبكر، والبطيخ والدلاع في عدد من المناطق، كما تبدأ واحات الجنوب في استقبال أولى بشائر موسم جني التمور، خاصة الأصناف المبكرة التي تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة حتى تكتمل عملية النضج.
كما تشهد هذه الأيام نشاطاً مكثفاً داخل البساتين، حيث يواصل الفلاحون عمليات الجني والفرز والتسويق، بالتوازي مع تكثيف عمليات السقي لحماية الأشجار من الإجهاد المائي الناتج عن موجات الحر.
ويرى مهنيون أن نجاح الموسم الصيفي يرتبط بدرجة كبيرة بحسن تسيير الموارد المائية خلال “الصمايم”، خاصة مع تزايد الاعتماد على أنظمة السقي بالتقطير وبرامج الاقتصاد في استهلاك المياه لمواجهة آثار التغيرات المناخية.
وتفرض درجات الحرارة المرتفعة خلال “الصمايم” تحديات على القطاع الفلاحي، إذ تتعرض الأشجار المثمرة والمحاصيل الصيفية إلى ضغوط مناخية قد تؤثر على الإنتاج إذا لم يتم توفير السقي المنتظم واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
أما مربي المواشي والدواجن، فيضطرون خلال هذه الفترة إلى اتخاذ تدابير خاصة لحماية الحيوانات من الإجهاد الحراري، عبر توفير المياه بشكل دائم، وتحسين التهوية داخل الإسطبلات والحظائر، وتعديل أوقات التغذية لتفادي ساعات الذروة.
وفي المدن، تزداد الحاجة إلى ترشيد استهلاك المياه والكهرباء، مع ارتفاع الطلب على أجهزة التبريد، في وقت تدعو فيه السلطات إلى الاقتصاد في استعمال الموارد المائية والحفاظ عليها.
• أمثال وتجارب توارثتها الأجيال
احتلت “الصمايم” مكانة بارزة في التراث الشعبي الجزائري، حيث نسجت حولها عشرات الأمثال والحكم التي تعكس خبرة الأجداد في التعامل مع الطبيعة.
ومن أشهر هذه الأمثال حكمة تدعو إلى الحذر خلال هذه الفترة، بسبب كثرة خروج العقارب والأفاعي والحشرات السامة من جحورها بحثاً عن أماكن أقل حرارة.
وتعكس هذه الأمثال الشعبية ارتباط الجزائريين الوثيق بالتقويم الفلاحي التقليدي، الذي ظل لعقود طويلة المرجع الأساسي لتنظيم مواسم الحرث والغرس والجني، قبل ظهور وسائل الرصد الجوي الحديثة.
• نظام زمني سبق محطات الأرصاد الجوية
ويؤكد الباحثون في التراث أن التقويم الفلاحي يمثل منظومة زمنية دقيقة اعتمد عليها الفلاحون عبر قرون طويلة لتحديد مواعيد الزراعة والحصاد والسقي وجني الثمار، اعتماداً على حركة النجوم والفصول والتجارب الميدانية المتراكمة.
ولا تزال العديد من المناطق الريفية إلى اليوم تعتمد على هذا التقويم في تنظيم النشاط الفلاحي، حيث تقترن كل مرحلة من مراحل السنة باسم خاص وخصائص مناخية معروفة، من بينها الليالي، والعزارة، والحسوم، والصمايم، وغيرها من المواسم التي تشكل جزءاً من الثقافة الزراعية الجزائرية.
ويشدد مختصون في الفلاحة والصحة على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية سواء بالنسبة للأشخاص أو المزروعات أو الثروة الحيوانية.
وتشمل هذه الإجراءات تفادي التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والإكثار من شرب المياه، وترشيد استعمال الموارد المائية، مع تكثيف عمليات السقي في الأوقات المناسبة، ومراقبة المحاصيل تحسباً لأي مؤشرات إجهاد أو إصابة بالآفات.
كما يدعون إلى تعزيز اليقظة لمواجهة خطر الحرائق، وعدم إشعال النيران بالقرب من الغابات أو الحقول الزراعية، والإبلاغ الفوري عن أي دخان أو بؤرة حريق، خاصة أن هذه الفترة تعرف سنوياً أعلى معدلات اندلاع الحرائق بسبب الحرارة الشديدة والجفاف.
ويجمع المختصون على أن حسن استغلال هذه الفترة، والاعتماد على تقنيات السقي الحديثة، وتعزيز الوقاية من الحرائق، والالتزام بالإرشادات الفلاحية، كفيل بتحويلها من موسم قاسٍ إلى محطة إنتاجية تسهم في دعم الأمن الغذائي الوطني، والحفاظ على استدامة النشاط الفلاحي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..