يُظهر السوق الجزائري لمواد وتقنيات التغليف خلال السنوات الأخيرة نموا متسارعا وتوسعا، خاصة في ارتباطه المباشر بالصناعات الغذائية والفلاحية، بينما تعكس الأرقام الصادرة عن منظمي معرض “جازاغرو” مؤشرات نمو واضحة.
واردات بـ225 مليون يورو
تكشف أولى المؤشرات أن الجزائر استوردت ما قيمته 225 مليون يورو من مواد وتقنيات التغليف سنة 2024، وهو رقم يضعها في صدارة الدول الإفريقية في هذا المجال، متقدمة على أسواق كبرى مثل مصر وجنوب إفريقيا.
ويعكس هذا الحجم الكبير من الواردات ارتفاع الطلب المحلي على حلول التغليف، خصوصًا من طرف الصناعات الغذائية والفلاحية التي تعتمد بشكل متزايد على مواد التعبئة الحديثة لضمان حفظ المنتجات ونقلها وتوزيعها في ظروف ملائمة. كما يشير هذا الرقم إلى توسع النشاط الصناعي المرتبط بالاستهلاك الداخلي، حيث أصبحت مواد التغليف عنصرًا أساسيًا في سلسلة القيمة الغذائية، وليست مجرد مادة تكميلية كما كان في السابق.
نمو تقنيات البلاستيك بنسبة 34,6% خلال أربع سنوات
المؤشر الثاني يكشف عن ديناميكية أكثر عمقًا داخل قطاع التغليف، حيث سجلت تقنيات البلاستيك في الجزائر نموًا بنسبة 34,6% بين 2020 و2024، لترتفع قيمتها من 31 مليون يورو إلى 299 مليون يورو خلال أربع سنوات فقط، وهو ما يعادل تضاعفًا يقارب 3,3 مرات.
ويعكس هذا النمو السريع تحولًا مهمًا في البنية الصناعية المرتبطة بالتغليف، إذ باتت المؤسسات الجزائرية تعتمد بشكل متزايد على حلول تقنية متطورة في مجال البلاستيك، سواء في التعبئة أو التغليف الغذائي أو الصناعي. كما يرتبط هذا التطور بتوسع الصناعات الغذائية داخل البلاد، وارتفاع الطلب على التغليف عالي الجودة الذي يضمن الحفاظ على المنتجات لفترات أطول ويعزز قدرتها على التسويق والتوزيع.
ويشير مختصون إلى أن هذا النمو لا يعكس فقط زيادة في الاستيراد، بل أيضًا تطورًا في طبيعة الطلب الصناعي الذي أصبح أكثر تخصصًا.
1,9 مليون طن من البلاستيك
أما الرقم الثالث، فيتعلق بحجم المواد الخام، حيث بلغت واردات الجزائر من المواد البلاستيكية حوالي 1,9 مليون طن سنة 2024، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 7,8% مقارنة بسنة 2023.
هذا الارتفاع في حجم الاستيراد يؤكد أن الطلب الداخلي على المواد البلاستيكية ما يزال في منحى تصاعدي، مدفوعًا بتوسع الأنشطة الإنتاجية والاستهلاكية على حد سواء. كما يشير هذا الرقم إلى أن سلاسل الإنتاج في قطاعات متعددة، خاصة الغذائية والفلاحية والصناعية، أصبحت تعتمد بشكل كبير على المواد البلاستيكية في عمليات التغليف والحفظ والنقل.
قطاع التغليف بين دعم الإنتاج الغذائي والتصنيع المحلي
تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى وجود ديناميكية واضحة في قطاع الصناعات الغذائية في الجزائر، حيث أصبح التغليف عنصرًا أساسيًا في دعم الإنتاج الوطني وضمان وصول المنتجات إلى المستهلك في أفضل الظروف. فالتوسع في الصناعات الغذائية والفلاحية أدى إلى ارتفاع الطلب على حلول التعبئة الحديثة، ما جعل قطاع التغليف جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الغذائي.
نحو تقليص الاعتماد على البلاستيك
كما يبرز بعد بيئي مهم في هذا القطاع، يتمثل في الاعتماد الكبير على البلاستيك التقليدي في عمليات التغليف. ومع تصاعد النقاش العالمي حول التلوث البلاستيكي، أصبحت الحاجة ملحة لإعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
ويرى مختصون أن المرحلة المقبلة تتطلب التوجه نحو حلول أكثر استدامة، مثل مواد التغليف القابلة للتحلل أو القابلة لإعادة التدوير، إلى جانب تعزيز ثقافة الاقتصاد الأخضر داخل المؤسسات الصناعية. كما أن تقليص الاعتماد على البلاستيك لا يرتبط فقط بالبعد البيئي، بل أيضًا بفرص اقتصادية جديدة يمكن أن يخلقها قطاع التغليف المستدام في السوق المحلية.
تُظهر المعطيات الحالية أن قطاع التغليف في الجزائر يقف عند نقطة تحول مهمة، تجمع بين نمو سريع في الطلب الصناعي من جهة، واعتماد كبير على الاستيراد من جهة أخرى، إضافة إلى تحديات بيئية تفرض إعادة التفكير في النموذج الحالي.
وفي هذا السياق، يبرز خيار إعادة هيكلة القطاع كضرورة استراتيجية، من خلال تشجيع الاستثمار المحلي في صناعة التغليف، وتطوير التكنولوجيا الإنتاجية، مع إدماج البعد البيئي في السياسات الصناعية.
ومنذ الساعات الأولى، شهدت أجنحة المعرض الكبرى إقبالًا لافتًا من مئات المهنيين والمتعاملين في مجالات الإنتاج الفلاحي، الصناعات الغذائية، التغليف والتجهيزات الصناعية، في مشهد يعكس حيوية متزايدة يشهدها القطاع في الجزائر.
ويبرز هذا الحضور القوي أن السوق الجزائرية أصبحت وجهة استراتيجية مهمة للشركات الدولية بفضل اتساع الطلب المحلي وتطور سلاسل الاستهلاك، إضافة إلى الفرص الكبيرة في مجالات التحويل الغذائي وسلاسل القيمة الفلاحية.
وعلاوة على الجناح الوطني للمعرض الذي يضم أكثر من 150 مؤسسة وطنية، يسجل حضور أجنبي لافت ممثلا بكل من إيطاليا وتركيا والصين وألمانيا، حيث تعرض شركاتها معدات الصناعات الغذائية، إضافة إلى حلول التحويل والتوضيب والتغليف.
وتركز التظاهرة التي تشارك فيها أيضا شركات من دول عربية من بينها المملكة العربية السعودية والأردن ولبنان وعمان وتونس، بشكل خاص على الابتكار سيما من خلال مسابقة “جاز-إينوف”.
ويؤكد المنظمون أن هذا “الحدث يشكل منصة مميزة للالتقاء بين المنتجين والمصنعين حيث يعرض مجموعة واسعة من المعدات والآلات المخصصة للصناعات الغذائية التحويلية والتوضيب والتغليف”، مبرزين أهمية التوضيب والتغليف في تعزيز تحسين تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.
وعلى هامش الصالون، ستنظم ندوات وورشات عمل تركز بشكل أساسي على الصادرات كمحرك للنمو وتثمين المنتجات الفلاحية الثانوية والأمن الغذائي والابتكار الأخضر والاقتصاد الدائري وتقنيات التوضيب والتغليف في الجزائر.
رضوان.د


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..