حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

شكل قرار السلطات العليا بإطلاق برنامج وطني ضخم لإنجاز عشرات المخازن الجوارية للحبوب و30 صومعة، تحولًا استراتيجيًا في رؤية الدولة لمنظومة الأمن الغذائي، بعدما وضعت أحد أهم الحلول لمعضلة ظلت ترافق مواسم الحصاد لسنوات طويلة، والمتمثلة في ضعف قدرات التخزين مقارنة بارتفاع الإنتاج.
ومع انطلاق حملة الحصاد والدرس للموسم الفلاحي 2025-2026، التي توصف بأنها من أكبر الحملات خلال السنوات الأخيرة من حيث المساحات المزروعة والإنتاج المرتقب، بدأت نتائج هذا البرنامج تظهر بوضوح في الميدان، حيث استقبلت مراكز التخزين الجديدة آلاف الأطنان من الحبوب في ظروف تنظيمية أفضل، مع تراجع ملحوظ للطوابير التي كانت تتشكل سابقًا أمام تعاونيات الحبوب والبقول الجافة، وتقليص المسافات التي يقطعها الفلاحون لنقل محاصيلهم.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن البرنامج الوطني يهدف إلى رفع القدرة الوطنية لتخزين الحبوب إلى نحو 90 مليون قنطار، من خلال إنجاز 30 صومعة استراتيجية بطاقة استيعاب تصل إلى مليون قنطار لكل صومعة، إضافة إلى 300 مخزن جواري تتراوح سعة كل واحد منها بين 50 ألف و100 ألف قنطار، وهو ما يمثل قفزة نوعية في البنية التحتية المخصصة لتخزين الحبوب.

التخزين.. حلقة الوصل في منظومة الحبوب

الجزائر كانت تواجه، خلال السنوات الماضية، مفارقة تتمثل في تحقيق مواسم إنتاج جيدة، يقابلها ضغط على قدرات التخزين، الأمر الذي كان يفرض على الفلاحين الانتظار لساعات طويلة، من أجل تفريغ محاصيلهم، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل نحو مراكز التجميع البعيدة.
أما اليوم، فقد ساهمت المنشآت الجديدة في إعادة توزيع نقاط استقبال الحبوب عبر مختلف الولايات، بما جعل عملية نقل المحصول أكثر سهولة، وساعد على تقليص الضغط على المراكز القديمة، وتحسين ظروف حفظ الإنتاج الوطني.
ويؤكد متابعون أن بناء الصوامع والمخازن يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى، لأن الأمن الغذائي لا يتحقق بزيادة الإنتاج فقط، وإنما يتطلب أيضًا القدرة على حفظ هذا الإنتاج في ظروف تقنية تضمن جودته، وتسمح باستغلاله على مدار السنة دون خسائر.

إنتاج كبير مقابل إمكانات لوجستية

والتوسع الكبير في المساحات المزروعة، وتحسن مردودية الإنتاج بفضل برامج الدعم واستصلاح الأراضي وتوفير البذور والأسمدة، يفرض بدوره توفير هياكل قادرة على استيعاب الكميات الإضافية، لأن أي اختلال في سلسلة ما بعد الحصاد قد يؤدي إلى ضياع جزء من الإنتاج أو ارتفاع تكاليف تسويقه.
ولهذا يعتبر خبراء الاقتصاد الزراعي أن برنامج الصوامع والمخازن يعد أحد أهم المشاريع الهيكلية التي عرفها القطاع الفلاحي خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى دوره في تعزيز المخزون الاستراتيجي الوطني من الحبوب، وتقليص الاعتماد على الهياكل القديمة التي لم تعد تستجيب لتطور حجم الإنتاج.

موسم استثنائي

ورغم النتائج الإيجابية التي حققتها مشاريع التخزين، فإن حملة الحصاد الحالية أفرزت تحديًا جديدًا، تمثل في الضغط في عدد الحاصدات، خاصة في الولايات التي سجلت توسعًا كبيرًا في زراعة القمح والشعير.
فقد أدى ارتفاع المساحات المزروعة إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على آلات الحصاد، ودفع الكثير من الفلاحين إلى المطالبة بتوفير المزيد من العتاد لتفادي ضياع الوقت، خصوصًا في ظل موجات الحر وارتفاع مخاطر اندلاع حرائق المحاصيل.

وأطلقت وزارة الفلاحة منصة “حصاد” لتسهيل طلب الحاصدات، وتجنيد أكثر من 1300 آلة حصاد بالتنسيق مع الديوان الجزائري المهني للحبوب وشركة “أغرودرايف”، فضلاً عن إدخال معدات إضافية إلى الخدمة.

الاستثمار في الحاصدات.. أولوية المرحلة المقبلة

والنجاح الذي تحقق في مجال التخزين يجب أن يتبعه برنامج وطني مماثل لتطوير أسطول الحاصدات، سواء من خلال دعم اقتناء العتاد الجديد، أو تشجيع الاستثمار الخاص في خدمات الحصاد، أو إنشاء مؤسسات متخصصة في تأجير المعدات الفلاحية.
كما يحث أهل القطاع على على وضع نظام رقمي لتوزيع الحاصدات بين الولايات وفق تطور نضج المحاصيل، بما يسمح باستغلال الآلات بكفاءة أعلى وتقليص فترات الانتظار.
وأصبح الاستثمار في المكننة الفلاحية ضرورة استراتيجية، خصوصًا بالنسبة للحبوب التي تبقى عرضة للتلف أو الحرائق عند تأخر جمعها.
وتبرز تجربة هذا الموسم أن تحقيق الأمن الغذائي لا يقوم على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة تبدأ بتوفير البذور والأسمدة، وتمر بتوسيع المساحات وتحسين المردودية، ثم توفير الحاصدات ووسائل النقل، وصولًا إلى التخزين والتسويق والتحويل.
كما أن امتلاك قدرة تخزين كبيرة يمنح الجزائر هامشًا أكبر لإدارة مخزونها الاستراتيجي، وتأمين احتياجاتها من الحبوب في مختلف الظروف، وتقليص آثار التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية.

من وفرة الإنتاج إلى بناء قوة فلاحية مستدامة

ويرى متابعون أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في مسار تطوير قطاع الحبوب، عنوانها الانتقال من التركيز على زيادة الإنتاج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج واللوجستيك والتخزين وإدارة المخزون.
وقد أثبتت مشاريع الصوامع والمخازن الجديدة نجاحها منذ أول اختبار ميداني، بينما كشفت حملة الحصاد الحالية أن الحلقة التي تحتاج إلى تعزيز أكبر تتمثل في رفع عدد الحاصدات وتطوير خدمات المكننة الفلاحية.
واستكمال هذه الحلقة سيمنح الجزائر منظومة أكثر كفاءة وقدرة على استيعاب الزيادات المنتظرة في الإنتاج خلال السنوات المقبلة، ويحول الاكتفاء الذاتي من هدف موسمي إلى مكسب استراتيجي دائم، يعزز السيادة الغذائية، ويدعم استقرار الأسواق، ويفتح المجال مستقبلاً للتوسع في التصدير، خاصة إذا تواصلت وتيرة الاستثمار في مختلف حلقات سلسلة إنتاج الحبوب.