حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن العالم يشهد تحوّلًا متسارعًا في أنماط الهطول المطري، مع تزايد نسبة الأمطار الغزيرة على حساب الأمطار المنتظمة والمعتدلة، في ظاهرة ترتبط بشكل مباشر بارتفاع درجات حرارة الأرض وتغير المناخ. وقد حذّر باحثون من أن هذا التحول قد يحمل تداعيات عميقة على إدارة الموارد المائية، واستقرار النظم البيئية، وسلامة البنية التحتية في العديد من مناطق العالم.

وبحسب دراسة نُشرت في مجلة “واتر روسورس ريزيرش”، فإن وتيرة الأمطار الغزيرة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة في مناطق متعددة من العالم، في تحول يُعدّ لافتًا مقارنة بالأنماط المناخية التقليدية التي كانت تعتمد على هطول منتظم يضمن توازنًا في تغذية التربة والمياه الجوفية.

وتُشير النماذج المناخية إلى أن هذا الاتجاه مرشح للتسارع خلال العقود القادمة، خاصة مع اقتراب أو تجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة 3 درجات مئوية، ما قد يؤدي إلى تغيرات جذرية في دورة المياه على سطح الأرض.

ويحذر الخبراء من أن الأمطار المعتدلة كانت تلعب دورًا محوريًا في دعم النظم الزراعية، من خلال تمكين التربة من الاحتفاظ بالرطوبة، وتحسين نمو المحاصيل، وتسهيل إدارة السدود والخزانات المائية. في المقابل، تؤدي الأمطار الغزيرة المتقطعة إلى ضغط كبير على شبكات الصرف، وزيادة خطر الفيضانات، إضافة إلى فترات جفاف أطول بين العواصف، ما يخلق حالة من عدم التوازن في الموارد المائية.

وقد طور باحثون من جامعة ميشيغان مؤشرًا علميًا جديدًا لقياس شدة الهطول المطري، يعتمد على احتساب نسبة الأمطار السنوية التي تتساقط خلال أكثر 5% من الأيام المطيرة، وهو ما يسمح بفهم أدق لتغير طبيعة التساقط المطري عبر الزمن.

وتشير التوقعات المناخية إلى أن مناطق واسعة من العالم ستكون الأكثر عرضة لهذه التغيرات، على غرار الساحل الإفريقي، وجنوب شرق آسيا، وشمال أستراليا، وحوض الأمازون، حيث يُتوقع أن ترتفع حصة الأمطار الغزيرة إلى ما بين 15 و20 بالمئة من إجمالي التساقط السنوي في حال ارتفاع درجات الحرارة بنحو 4 درجات مئوية، مع تسجيل زيادات فعلية في بعض المناطق تفوق التقديرات العلمية.

ويؤكد الباحثون أن القطاع الزراعي سيكون من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات، خاصة الزراعة البعلية التي تعتمد بشكل كلي على الأمطار الطبيعية. وتشير الدراسات إلى أن ارتفاع الحرارة بين 1.5 و2 درجة مئوية قد يؤثر على نسبة محدودة من الأراضي الزراعية البعلية، غير أن هذا التأثير يتضاعف بشكل كبير عند بلوغ 3 درجات مئوية، ليشمل أكثر من نصف هذه الأراضي، وقد يصل إلى مستويات شبه شاملة عند 4 درجات مئوية.

وتتركز هذه المناطق الأكثر هشاشة في الدول منخفضة الدخل، ما يزيد من مخاطر تراجع الإنتاج الزراعي، ويهدد الأمن الغذائي، ويرفع من حدة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. كما تواجه البنية التحتية في هذه الدول ضغوطًا متزايدة، حيث قد تعجز شبكات تصريف المياه والمنشآت الحضرية عن استيعاب كميات الأمطار المتزايدة، ما يؤدي إلى ارتفاع احتمالات الفيضانات في المدن والمناطق الريفية على حد سواء.

ويجمع الخبراء على أن هذه التحولات المناخية تستدعي تعزيز سياسات التكيف، من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين إدارة الموارد المائية، واعتماد تقنيات زراعية أكثر مرونة، للحد من آثار الظواهر المناخية المتطرفة وضمان استدامة النظم البيئية والإنتاجية في المستقبل.