أكد خبراء وباحثون ومختصون في المجال الفلاحي، خلال يوم تقني احتضنته المدرسة الوطنية العليا للفلاحة بالجزائر العاصمة، أن الفلاحة الدقيقة أصبحت اليوم أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تراهن عليها الجزائر لتحديث القطاع الزراعي، من خلال تحسين المردودية، وترشيد استغلال الموارد الطبيعية، وتقليص تكاليف الإنتاج والخسائر المسجلة داخل المستثمرات الفلاحية، بما يتماشى مع التحولات العالمية التي يشهدها القطاع الزراعي في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وشكل اللقاء العلمي، الذي نظم تحت شعار “المكننة الفلاحية في الجزائر: الواقع، تحديات التحديث والآفاق التكنولوجية”، فرصة لجمع أساتذة جامعيين وباحثين وخبراء وممثلي المؤسسات الاقتصادية والناشطين في مجال صناعة وتسويق العتاد الفلاحي، بهدف مناقشة سبل تطوير المكننة الزراعية وإدماج التكنولوجيا الحديثة في مختلف مراحل الإنتاج الفلاحي، بما يعزز الأمن الغذائي الوطني ويرفع من تنافسية الفلاحة الجزائرية.
• الفلاحة الدقيقة.. ثورة تكنولوجية في خدمة الإنتاج الزراعي
أجمع المتدخلون على أن الفلاحة الدقيقة تمثل اليوم إحدى أبرز الركائز التي تقوم عليها الزراعة الحديثة في العالم، باعتبارها تعتمد على توظيف أحدث التقنيات الرقمية من أجل إدارة دقيقة وفعالة للمزارع والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.
وترتكز هذه المقاربة على استخدام الطائرات المسيّرة، وأنظمة تحديد المواقع العالمية، وتقنيات الاستشعار عن بعد، وأجهزة الاستشعار الذكية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، بما يسمح للفلاح بالحصول على معلومات دقيقة حول حالة التربة والمحاصيل، وتحديد الاحتياجات الفعلية للنباتات من المياه والأسمدة والمبيدات، وهو ما يساهم في ترشيد استهلاك الموارد وتحسين نوعية الإنتاج.
وأوضح الخبراء أن هذا النموذج الزراعي لا يعتمد على المعالجة الموحدة لكامل الحقول، وإنما يقوم على إدارة كل جزء من الأرض الزراعية وفق خصائصه الفعلية، الأمر الذي يسمح بتقليص الهدر، ورفع الإنتاجية، وتحقيق مردودية اقتصادية أفضل للفلاح.
• ترشيد الموارد وتقليص الخسائر وتحسين المردودية
وأكد المشاركون أن اعتماد الفلاحة الدقيقة من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في أساليب الإنتاج الزراعي بالجزائر، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها التغير المناخي وندرة الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأشاروا إلى أن استخدام التكنولوجيا الحديثة يسمح بتحديد كميات الري والأسمدة اللازمة لكل مساحة زراعية بدقة كبيرة، ما يساهم في الاقتصاد في استهلاك المياه، وتقليل استعمال المبيدات والأسمدة الكيميائية، والحد من التلوث البيئي، فضلاً عن تحسين جودة المنتوج الفلاحي.
كما تساهم هذه التقنيات في الكشف المبكر عن الأمراض النباتية والآفات الزراعية، ومراقبة نمو المحاصيل بشكل مستمر، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، الأمر الذي يقلل من حجم الخسائر ويرفع من كفاءة الاستثمار الفلاحي.
• خبراء يدعون إلى تعميم الفلاحة الذكية
وفي هذا السياق، أكد رئيس قسم الفلاحة الذكية بالمدرسة الوطنية العليا للفلاحة، البروفيسور لياس بودار، أن تعميم الفلاحة الدقيقة أصبح ضرورة ملحة لمواكبة التحولات العالمية في القطاع الزراعي.
وأوضح أن هذه المقاربة لا تقتصر فقط على تحسين الإنتاج، بل تمتد إلى تعزيز حسن تسيير الموارد الطبيعية، خاصة المياه والطاقة والأسمدة، بما يضمن استدامة النشاط الفلاحي ويرفع من قدرته على مواجهة مختلف التحديات المستقبلية.
وأضاف أن الفلاحة الذكية تمثل أحد أهم الحلول لدعم الأمن الغذائي الوطني، فضلاً عن مساهمتها في استحداث تخصصات ومهن جديدة مرتبطة بالرقمنة وتحليل البيانات الزراعية وصيانة التجهيزات الذكية، وهو ما يفتح آفاقاً واعدة أمام الشباب وحاملي المشاريع المبتكرة.
• المؤسسات الناشئة تراهن على التكنولوجيا الزراعية
وأشار المتدخلون إلى أن المؤسسات الناشئة الجزائرية أصبحت تولي اهتماماً متزايداً بمجال التكنولوجيا الزراعية، حيث شرعت العديد منها في تطوير حلول رقمية موجهة للفلاحين، تشمل تطبيقات ذكية لمراقبة المحاصيل، وأنظمة ري أوتوماتيكية، وبرمجيات لتحليل البيانات الزراعية، فضلاً عن خدمات تعتمد على الطائرات المسيّرة في متابعة الحقول.
ويرى الخبراء أن تشجيع هذه المؤسسات سيساهم في خلق منظومة وطنية للابتكار الزراعي، ويمنح الفلاحين أدوات حديثة تساعدهم على اتخاذ قرارات دقيقة وتحسين مردودية استثماراتهم.
الخبير منصوري: الآلات الفلاحية استثمار استراتيجي لمستقبل الزراعة
من جهته، صرح الخبير رمضان منصوري أن الآلات الفلاحية تشكل اليوم ” استثمارا استراتيجيا” لمستقبل الفلاحة الجزائرية وهو استثمار يجب أن يرتكز على صناعة وطنية ناجعة وموارد بشرية مؤهلة وخدمات صيانة فعالة قادرة على تعزيز الأمن الغذائي وتنافسية القطاع.
كما أكد على أهمية اعتماد مقاربة استشرافية لضمان تطوير الحظيرة الوطنية للمعدات الفلاحية وإنشاء صناعة وطنية تنافسية لتصنيع المعدات والتكوين وتدعيم خدمات الصيانة وتوفير قطع الغيار.
وخلال أشغال اللقاء، كشف مدير التجارة والتسويق بشركة “أغرودريف”، التابعة للمجمع العمومي للصناعات الغذائية “أغروديف”، محمد الطاهر صدقي، عن مواصلة الشركة تنفيذ برنامج واسع لتدعيم الحظيرة الوطنية للعتاد الفلاحي.
وأوضح أن الشركة، التي تأسست شهر مارس الماضي، اقتنت 59 ألفاً و331 آلة حصاد، تم إلى غاية الآن تسليم وتشغيل 100 آلة منها، في إطار برنامج يهدف إلى دعم عمليات الحصاد والدرس وتحسين مردودية الإنتاج الوطني من الحبوب.
نحو تلبية احتياجات الفلاحين عبر صيغة التأجير
كما أعلن أنه جاري اقتناء 1850 محراثاً إلى جانب معدات فلاحية أخرى سيتم وضعها تحت تصرف الفلاحين وفق صيغة التأجير، بما يسمح بتسهيل حصولهم على التجهيزات الحديثة دون تحمل أعباء مالية كبيرة.
ويرى مختصون أن هذه الخطوة ستساهم في توسيع استعمال المكننة الفلاحية داخل المستثمرات، وتقليص تكاليف الإنتاج، وتحسين سرعة إنجاز مختلف العمليات الزراعية.
ويؤكدون أن تعميم الفلاحة الدقيقة والمكننة الحديثة يشكلان أحد أهم مفاتيح تحقيق الأمن الغذائي في الجزائر، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، وارتفاع الطلب على المنتجات الغذائية، وضرورة تحسين استغلال الموارد الطبيعية.
كما يؤكد المختصون أن الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية والبحث العلمي، إلى جانب تشجيع المؤسسات الناشئة وتطوير الصناعة الوطنية للمعدات الفلاحية، سيسمح ببناء منظومة زراعية أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على رفع الإنتاج الوطني وتحسين جودة المنتجات وتقوية تنافسية الفلاحة الجزائرية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وبذلك، تتجه الجزائر تدريجياً نحو ترسيخ نموذج الفلاحة الذكية باعتباره خياراً استراتيجياً لمستقبل القطاع، يجمع بين الابتكار العلمي، والتحول الرقمي، وحسن استغلال الموارد، بما يضمن تحقيق تنمية فلاحية مستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، ومواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الزراعة الحديثة على المستوى العالمي.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..