حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تتجه الشراكة الاقتصادية بين الجزائر وإيطاليا نحو توسيع مجالاتها خارج قطاع المحروقات، مع دخول مشروع الفوسفات المتكامل مرحلة التنفيذ، في خطوة تعتبرها روما تجسيداً مباشراً لتوجهات «خطة ماتّي» الإيطالية للتعاون مع الدول الإفريقية.
وأكدت سفيرة إيطاليا لدى الجزائر، أليساندرا سكيّافو، أن المشروع الذي يجمع الجزائر ومجموعة سايبام الإيطالية يمثل امتداداً مهماً للتعاون الثنائي، باعتباره يفتح المجال أمام شراكة جديدة في قطاع التعدين والصناعات التحويلية، بعد سنوات من تركّز العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل كبير على قطاع الغاز والمحروقات.
وجاءت تصريحات السفيرة في 12 أوت الجاري، لوكالة الأنباء الإيطالية «نوفا»، على هامش مراسم توقيع عقدي التنفيذ الخاصين بالمشروع بمقر سوناطراك.
ويشمل المشروع سلسلة متكاملة تبدأ باستخراج الفوسفات من منجم بلاد الحدبة بولاية تبسة، قبل نقله وتحويله إلى أسمدة في وادي الكبريت بولاية سوق أهراس.
وتتكفل شركة سايبام الإيطالية بإنجاز المنشآت التعدينية والصناعية الخاصة بالمشروع، وفق صيغة التنفيذ السريع ، بما يسمح بتقليص الآجال بين مرحلة إنجاز المنشآت وبدء الإنتاج.

وفي الجانب اللوجستي، وقعت الجزائر في اليوم نفسه عقداً مع مجموعة “شاينا هاربور كومباني” الصينية لإنجاز المنشآت والبنى التحتية المينائية المرتبطة بالمشروع على مستوى ولاية عنابة.
ووفق البرنامج الزمني المعتمد، يرتقب أن يبدأ إنتاج الفوسفات المثرى خلال الربع الأول من سنة 2027، على أن تنطلق عملية إنتاج الأسمدة خلال الربع الرابع من السنة نفسها.
وتقدر الطاقة المعلنة لاستخراج الفوسفات بنحو 5.5 ملايين طن سنوياً، وهو ما يمنح المشروع أهمية كبيرة في استراتيجية تطوير الموارد المنجمية الجزائرية والانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تحويلها محلياً وإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
واعتبرت السفيرة الإيطالية المشروع «طموحاً للغاية» و”ذا بُعد استراتيجي”، مشيدة بقدرة السلطات الجزائرية على التخطيط ووضع آجال قصيرة نسبياً لإنجاز منشآت منجمية وصناعية ومينائية متكاملة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب المنجمي والصناعي، إذ يحتل البعد الزراعي موقعاً محورياً في الاستراتيجية المرتبطة به.
وتسعى الجزائر من خلال تطوير صناعة الأسمدة محلياً إلى تقليص الاعتماد على الواردات وتأمين جزء أكبر من احتياجات القطاع الزراعي من المدخلات الأساسية، خصوصاً في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية للأسمدة وارتفاع تكاليف النقل والشحن.
وترى السفيرة الإيطالية أن مفهوم السيادة الغذائية لا ينفصل عن السيادة الاقتصادية للدولة، معتبرة أن الاعتماد الكبير على الموردين الخارجيين يمكن أن يجعل الدول عرضة لتقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
ومن هذا المنظور، فإن تطوير صناعة محلية للفوسفات والأسمدة يمكن أن يوفر للجزائر هامشاً أكبر للتحكم في جزء من سلسلة الإمداد الزراعي، إلى جانب دعم الإنتاج الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتأتي هذه الرؤية بالتوازي مع تعاون جزائري إيطالي آخر في المجال الزراعي، من خلال مركز التميز الزراعي الجزائري الإيطالي الذي تم تدشينه في ماي الماضي بولاية سيدي بلعباس، بما يعكس توسع مجالات التعاون بين البلدين من الطاقة إلى الفلاحة والتعدين والصناعات التحويلية.
وتربط روما المشروع بـخطة ماتّي التي أطلقتها إيطاليا لتعزيز تعاونها مع إفريقيا، والتي تقوم، وفق الرؤية الإيطالية، على دعم القدرات الإنتاجية المحلية ونقل الخبرات والمهارات، بدلاً من الاقتصار على تصدير التكنولوجيا أو المعدات.
وتعد الجزائر من بين الدول الإفريقية الأربع عشرة الشريكة في الخطة، فيما تشمل مجالات التعاون الطاقة والزراعة والبنية التحتية والتكوين.
ويكتسي حضور «سايبام» في المشروع أهمية خاصة، بالنظر إلى خبرتها الطويلة في الجزائر في مشاريع الغاز والمنشآت المرتبطة بالمحروقات. غير أن مشاركتها في مشروع الفوسفات تمثل توسعاً لنشاطها في الجزائر نحو قطاع التعدين والصناعات خارج المحروقات.
ويشمل التعاون أيضاً جانباً متعلقاً بتكوين اليد العاملة الجزائرية، بما يسمح بتطوير الكفاءات المحلية القادرة على مواكبة المشاريع الصناعية والمنجمية الجديدة.
ويجمع مشروع الفوسفات المتكامل بين ثلاث حلقات جغرافية وصناعية مترابطة: تبسة باعتبارها موقع استخراج الفوسفات، وسوق أهراس التي تحتضن وحدات التحويل وإنتاج الأسمدة، وعنابة باعتبارها نقطة أساسية للمنشآت المينائية المرتبطة بالمشروع.
ومن شأن هذا التكامل أن يحول المنطقة الشرقية إلى أحد أهم الأقطاب الجزائرية في مجال الصناعات المنجمية والتحويلية، مع إمكانية تطوير أنشطة اقتصادية مرافقة حول المشروع.
وبذلك، لا يمثل مشروع الفوسفات مجرد استثمار جديد في قطاع التعدين، بل يعكس توجهاً أوسع نحو تنويع الاقتصاد الجزائري، وتطوير الصناعات التحويلية، وتأمين مدخلات الإنتاج الزراعي، ورفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية.