حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في الوقت الذي تتحول فيه التغيرات المناخية من “تحذيرات علمية” إلى “واقع ميداني” مرير يضرب مزارع القارة السمراء، برزت العاصمة التوغولية، لومي، هذا الأسبوع كغرفة عمليات استراتيجية لمستقبل قطاع القطن في غرب ووسط إفريقيا. فمن خلال الاجتماع الثامن عشر لتقييم البرنامج الإقليمي للإنتاج المتكامل للقطن، اجتمع أكثر من 250 خبيراً وصانع قرار من ثماني دول إقليمية، ليس فقط لاستعراض الحصيلة، بل لصياغة “مانيفستو” جديد يهدف إلى تحصين هذا القطاع الذي يعد شريانالحياة لملايين العائلات الريفية ضد “الصدمات المناخية” والآفات التي باتت تفتك بأرزاقهم.

إن السياق الإقليمي المعقد الذي نُظم فيه هذا اللقاء، برعاية “الشركة الجديدة لقطن توغو”، يعكس وعياً جماعياً بأن سياسة “العمل المنفرد” لم تعد تجدي نفعاً أمام عدو مشترك يغير خرائط الإنتاجية العالمية.

فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد زراعة وحصاد، بل تحولت إلى قضية “أمن قومي واقتصادي” تضع إنتاجية الهكتار ودخل الفلاح الصغير في صلب النقاشات التقنية والسياسية. وقد كشفت التقارير المعروضة في لومي عن قصة “تعافٍ مذهلة تحت الضغط”؛ فعلى الرغم من تدهور جودة التربة وتوالي موجات الجفاف، استطاعت دول مثل توغو تحقيق قفزة نوعية في الإنتاجية، حيث ارتفعت من 800 كجم للهكتار إلى عتبة طن واحد.

هذا التحسن لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة “الذكاء العلمي” المتمثل في اعتماد خرائط دقيقة للتربة تسمح بتسميد عقلاني، بالتوازي مع سياسات حمائية قوية ثبتت أسعار الشراء ودعمت أسعار الأسمدة، مما خلق “شبكة أمان” مكنت المزارعين من الصمود أمام تقلبات السوق.

وفي قلب ورشات العمل، سيطرت “معركة الآفات” على حيز كبير من اهتمام الباحثين، خاصة مع التهديد الوجودي الذي شكلته حشرة “الجاسيد” التي كبدت المحاصيل في المواسم الماضية خسائر وصلت إلى 50% في بعض المناطق. ومن هنا، انبثقت خارطة طريق لومي لترتكز على ثلاثة محاور لا تقبل التأجيل؛ أولها “الصحة النباتية” عبر إدخال جزيئات كيميائية جديدة وتجديد بروتوكولات المكافحة التقليدية التي لم تعد فعالة أمام تطور مقاومة الحشرات. وثانيها هو “الابتكار الجيني” الذي يمثل الرهان المستقبلي الأكبر، من خلال تطوير أصناف بذور تمتلك “ذكاءً وراثياً” يمكنها من مقاومة الجفاف الطويل والسموم الطبيعية للطفيليات الفتاكة.

أما المحور الثالث فهو “التعاون الإقليمي” العابر للحدود، الذي يهدف لتوحيد الاستجابات التقنية للدول الثماني، لضمان بقاء القطن الإفريقي منافساً قوياً في بورصات السلع العالمية التي تتسم بحدة التقلب.

لقد كان كلام “مارتن دريفون”، المدير العام لشركة ، واضحاً وحازماً حين أكد أن الهدف الأسمى هو تحويل زراعة القطن من “عبء شاق” إلى نشاط “أسهل وأكثر كفاءة” يدر دخلاً محترماً ومستداماً.

إن الابتكارات البحثية التي تم تداولها في ردهات الصالون بـ لومي لن تظل حبيسة الأوراق، بل ستتحول إلى “توصيات ملزمة” تُدمج في السياسات الزراعية الوطنية للدول الأعضاء بدءاً من الموسم المقبل. إنها رسالة قوية للعالم بأن إفريقيا، رغم فقر الإمكانيات مقارنة بغيرها، تملك إرادة سياسية وعلمية لتحويل أزماتها المناخية إلى فرص للابتكار، مؤكدة أن “الذهب الأبيض” سيظل يلمع في حقول الغرب الإفريقي ما دامت هناك عقول تخطط وسواعد تنتج في إطار استراتيجية إقليمية موحدة لا تعرف الانكسار.