حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، لا تمتلك سوى قلة من الدول ظروفًا زراعية ملائمة لإنتاج القمح بكفاءة وقدرة تنافسية. ورغم هذا التحدي، بدأت مبادرات جديدة تظهر في عدد من البلدان، بما فيها دول إفريقيا الوسطى، مستفيدة من التقدم الذي أحرزته البحوث الزراعية في تطوير أصناف من القمح تتلاءم مع الظروف المناخية المحلية.
في 24 جوان 2026، صادقت الحكومة الكاميرونية على خطة عمل تمتد لثلاث سنوات بهدف تنظيم شعبة القمح المحلية، على أن يبدأ تنفيذها ابتداءً من سنة 2027. وتسعى هذه الخطة إلى الانتقال من التجارب المحدودة إلى إنتاج منظم ومستدام.
وتبلغ الكلفة الإجمالية للبرنامج نحو 30.9 مليار فرنك إفريقي (ما يعادل 54 مليون دولار)، ويرتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في، إنتاج بذور معتمدة وعالية الجودة، تأطير ومرافقة المنتجين، وإنشاء منشآت للتخزين والتحويل.
ويستهدف المشروع استصلاح 4500 هكتار لإنتاج حوالي 9 آلاف طن من البذور، والوصول إلى إنتاج تجاري يقدر بنحو 180 ألف طن من القمح سنويًا في مناطق أقصى الشمال، والشمال، وأداماوا، والغرب، والشمال الغربي.
ويعتمد هذا البرنامج على نتائج الأبحاث التي أنجزها المعهد الكاميروني للبحوث الزراعية من أجل التنمية، والذي نجح في استنباط أصناف من القمح تتكيف مع مختلف الأقاليم الزراعية والبيئية في البلاد.
من جهتها، جددت تشاد في مارس 2026 تأكيد طموحها لجعل القمح محصولًا استراتيجيًا، من خلال الإطلاق الرسمي للمركز الوطني المتخصص في القمح، وذلك على هامش المؤتمر الإقليمي الثالث للقمح الذي احتضنته العاصمة انجامينا بين 9 و11 مارس.
ووفقًا للسلطات التشادية، يطمح المركز إلى أن يصبح قطبًا إقليميًا للتميز في مجال البحث العلمي، وإنتاج البذور المحسنة، وتكوين الباحثين القادرين على مرافقة تطوير شعبة القمح في غرب ووسط إفريقيا. كما أفضى المؤتمر إلى الحصول على التزامات من شركاء ماليين وتقنيين لتمويل مشروع بحثي إقليمي يضم تشاد ونيجيريا والسنغال.
ويأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه تشاد إلى إحياء زراعة القمح التي كانت مزدهرة في السابق، خاصة في مناطق البولدر المحيطة ببحيرة تشاد، والتي كانت تزود المطحنة الكبرى لتشاد بكميات كافية لإنتاج أكثر من 10 آلاف طن من دقيق القمح سنويًا. غير أن هذه المنظومة الإنتاجية تراجعت تدريجيًا، لتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن الإنتاج الوطني لم يتجاوز 3 آلاف طن خلال سنة 2025.
تعكس المبادرات التي أطلقتها الكاميرون وتشاد إرادة سياسية واضحة لتقليص الاعتماد على واردات القمح وتعزيز الأمن الغذائي.
فالكاميرون، التي تعد أكبر مستورد للقمح في إفريقيا الوسطى، استوردت خلال سنة 2025 حوالي 921،236 طنًا من القمح بقيمة تقارب 219 مليون دولار، وفق بيانات المنصة وبالمقارنة مع هذه الأرقام، يبقى هدف إنتاج 180 ألف طن متواضعًا، لكنه قد يساهم في تخفيف فاتورة الواردات.
ورغم هذه الطموحات، تبقى القدرة التنافسية أكبر تحد يواجه تطوير هذه الشعبة. ففي العديد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء التي استثمرت منذ سنوات في إنتاج القمح، وعلى رأسها نيجيريا، ما تزال الحكومات تقدم دعمًا ماليًا كبيرًا للقطاع.
وتؤدي عدة عوامل إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، أبرزها الاعتماد على المدخلات الزراعية المستوردة، وتكاليف الري، إضافة إلى ضعف المردودية مقارنة بالمعدلات العالمية، وهو ما يجعل القمح المحلي غير قادر حتى الآن على منافسة القمح المستورد من حيث السعر والقدرة التنافسية في الأسواق.