كشفت بيانات حديثة، تسجيل الجزائر إنتاج 11,585 طنًا من الكرز لتحتل المرتبة 29 عالميًا خلال العام الماضي، ما يضعها داخل النصف الأعلى من القائمة. ويثبت حضورها كمنتج متوسط بوزن قابل للتحسن السريع في شريحة تُحسم فيها المراتب بفوارق محدودة.
وتأتي مباشرة بعد البرتغال (11,810 طنًا) بفارق 225 طنًا فقط، وتتقدم في المقابل على أذربيجان (10,910) والهند (10,683) والمجر (9,110) وهولندا (8,220) وبلجيكا (7,500) والأرجنتين (7,486).
وفي السياق، تشهد ولاية تلمسان خلال هذه الفترة انطلاق موسم جني الكرز في مختلف المناطق الجبلية وشبه الجبلية، وسط مؤشرات فلاحية إيجابية تؤكد تسجيل إنتاج وفير هذه السنة مقارنة بالمواسم السابقة، سواء من حيث الكميات أو جودة الثمار، وهو ما يعكس تحسناً تدريجياً في أداء شعبة الأشجار المثمرة بالمنطقة.
ويُعد موسم الكرز من أبرز المواسم الفلاحية الموسمية التي تعرفها تلمسان، بالنظر إلى مكانة هذا المنتوج في السوق المحلية والطلب المتزايد عليه من قبل المستهلكين، إضافة إلى كونه أحد المنتجات التي تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية الريفية وخلق حركية تجارية معتبرة خلال فترة الجني.
ظروف مناخية ساهمت في تحسين حجم الثمار
أفادت مصادر فلاحية أن الموسم الحالي تميز بظروف مناخية متوازنة نسبياً، خاصة خلال فترة الإزهار وتكوّن الثمار، حيث ساهمت درجات الحرارة المعتدلة والتساقطات المطرية في الوقت المناسب في تحسين عملية التلقيح الطبيعي وتقليل نسبة التساقط المبكر للثمار.
كما ساعد هذا التوازن المناخي في تحسين حجم حبات الكرز ورفع نسبة السكر الطبيعي داخل الثمار، ما انعكس بشكل مباشر على جودة المنتوج النهائي، وجعله أكثر تنافسية في الأسواق المحلية وحتى في بعض مسارات التسويق خارج الولاية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الظروف ساهمت أيضاً في تقليص انتشار بعض الآفات والأمراض الفطرية التي عادة ما تؤثر على أشجار الكرز في حال التقلبات الجوية الحادة، ما منح الفلاحين موسماً أكثر استقراراً من الناحية الإنتاجية.
متابعة تقنية ومرافقة ميدانية لتحسين مردودية البساتين
شهدت البساتين المنتجة للكرز خلال الموسم الحالي متابعة تقنية ميدانية من طرف المصالح الفلاحية، من خلال عمليات توجيه وإرشاد للفلاحين حول أهمية التقليم في الوقت المناسب، وضبط برامج السقي، واعتماد المعالجات الوقائية ضد الأمراض التي تصيب الأشجار المثمرة.
كما تم التركيز على أهمية احترام الرزنامة الزراعية الخاصة بأشجار الكرز، خاصة فيما يتعلق بمراحل الإزهار وتكوين الثمار، باعتبارها مراحل حساسة تؤثر بشكل مباشر على جودة ومردود الإنتاج النهائي.
وقد ساهمت هذه المرافقة التقنية في تحسين أداء العديد من المستثمرات الفلاحية، التي سجلت نتائج أفضل مقارنة بالسنوات الماضية، سواء على مستوى الإنتاج أو على مستوى جودة الثمار.
سلسلة إنتاج تعتمد على خبرة محلية وتقاليد زراعية راسخة
تتميز مناطق إنتاج الكرز في تلمسان بوجود خبرة فلاحية متوارثة تعتمد على معرفة دقيقة بطبيعة الأشجار واحتياجاتها، حيث يحرص الفلاحون على اعتماد ممارسات تقليدية مدعومة ببعض التقنيات الحديثة، خاصة في مجالات الري ومكافحة الآفات.
ويُعتبر هذا التزاوج بين الخبرة التقليدية والتقنيات الحديثة أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في تحسين استقرار الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، رغم التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وندرة الموارد المائية في بعض الفترات.
كما أن طبيعة التضاريس الجبلية بالمنطقة تمنح هذا المنتوج جودة مميزة، من حيث الطعم والحجم والتركيز السكري، ما يجعل كرز تلمسان مطلوباً في الأسواق المحلية ويمنحه سمعة جيدة لدى المستهلك.
عمليات تسويق تنعش الأسواق المحلية
تتم عملية جني الكرز بطريقة يدوية دقيقة، نظراً لحساسية الثمار وسرعة تأثرها بالعوامل الخارجية، حيث يحرص الفلاحون على قطف الثمار في اللحظة المناسبة من النضج لضمان أفضل جودة ممكنة عند وصولها إلى المستهلك.
وتشهد الأسواق المحلية خلال هذه الفترة وفرة معتبرة في عرض المنتوج، ما يساهم في تنشيط الحركة التجارية وتوفير منتوج طازج بأسعار تتفاوت حسب الجودة والمنطقة ووفرة الإنتاج، مع تسجيل إقبال كبير من المواطنين على اقتناء الكرز مباشرة من المنتجين.
كما يشكل هذا الموسم فرصة اقتصادية مهمة للعديد من العائلات الريفية التي تعتمد على بيع المحصول كمصدر دخل موسمي، يساهم في دعم الاقتصاد المحلي وتحسين الظروف المعيشية خلال فترة الجني.
آفاق تطوير شعبة الكرز
يرى مختصون في المجال الفلاحي أن شعبة الكرز في ولاية تلمسان تمتلك إمكانيات كبيرة للتطور، خاصة في ظل توفر الظروف الطبيعية الملائمة من مناخ وتضاريس وخبرة فلاحية، ما يجعلها من الشعب الواعدة في مجال الأشجار المثمرة.
ويؤكد هؤلاء على أهمية الاستثمار في تطوير سلاسل ما بعد الجني، خصوصاً من خلال إنشاء وحدات للتبريد والتخزين، وتطوير قنوات التسويق، وتشجيع التحويل الصناعي للفاكهة، بما يسمح بتقليل الخسائر ورفع القيمة المضافة للمنتوج.
كما يُنتظر أن تساهم برامج دعم الاستثمار الفلاحي في تعزيز هذه الشعبة مستقبلاً، من خلال تحسين المردودية وتوسيع المساحات المزروعة، بما ينسجم مع التوجه الوطني نحو تنويع الإنتاج الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..