تتجه زراعة الكينوا في مختلف المناطق الجزائرية إلى اكتساب أهمية متزايدة باعتبارها من المحاصيل التي يمكن إدماجها ضمن أنظمة الإنتاج الزراعي الصحراوي، سواء في الحقول المفتوحة أو ضمن الزراعة البينية تحت النخيل الفتي.
ولإنجاح هذا المحصول، تبرز أهمية اختيار موعد الزراعة المناسب، وضبط كثافة البذر وعمقه، وتسوية التربة، إلى جانب التحكم في الري ومقاومة الأعشاب خلال المراحل الأولى من النمو.
وفي هذا الإطار، يقدم «دليل المزارع» جملة من التوصيات التقنية التي يمكن اعتمادها عند زراعة الكينوا في المناطق الصحراوية، خصوصًا خلال الفترة الخريفية التي تسمح بالابتعاد عن موجات الحرارة الشديدة والاستفادة من اعتدال الظروف المناخية.
• 15 سبتمبر إلى 10 أكتوبر.. النافذة المثالية للزراعة
تعتبر الفترة الممتدة من 15 سبتمبر إلى 10 أكتوبر موعدًا مناسبًا لزراعة الكينوا في المناطق الصحراوية، حيث يسمح اختيار هذه الفترة بتفادي جزء من فترات الحرارة الشديدة التي قد تؤثر على الإنبات والنمو الأولي للنبات.
ويتمثل الهدف الأساسي من الزراعة خلال هذه الفترة في الاستفادة من الاعتدال النسبي للطقس خلال فصل الخريف، بما يساعد على تحقيق إنبات قوي ونمو خضري متوازن.
ويعد توقيت الزراعة من العناصر المهمة في نجاح المحصول، لأن المراحل الأولى من حياة النبات تكون أكثر حساسية للظروف المناخية والري وطبيعة التربة.
• 3 إلى 4 كيلوغرامات من البذور للهكتار
وبالنسبة إلى كثافة الزراعة، توصى كمية بذور في حدود 3 إلى 4 كيلوغرامات للهكتار.
ويمكن تنفيذ عملية البذر يدويًا، خصوصًا في المساحات الصغيرة، أو باستخدام آلة البذر الدقيقة «Semoir de précision» في المساحات التي تتطلب انتظامًا أكبر في توزيع البذور.
ويكتسي انتظام البذر أهمية خاصة بالنسبة إلى الكينوا، لأن توزيع النباتات بصورة متوازنة يساعد لاحقًا على التحكم في المسافات بين النباتات، ويوفر ظروفًا أفضل للنمو.
• عمق البذر.. سنتيمتر واحد فقط
ومن أهم التوصيات التقنية المتعلقة بزراعة الكينوا، عدم وضع البذور في أعماق كبيرة. ويُوصى بأن يكون عمق البذر في حدود سنتيمتر واحد فقط، وذلك لتسهيل خروج الرشيم إلى سطح التربة بسرعة.
وتزداد أهمية هذه التوصية في الأراضي الرملية، حيث يمكن أن يؤدي البذر غير المناسب إلى صعوبات في الإنبات أو إلى فقدان جزء من البذور، خصوصًا في حالة الري غير المنتظم أو القوي.
ولهذا، فإن تسوية الأرض قبل الزراعة تعد خطوة أساسية لضمان تجانس عمق البذر وتوزيع مياه الري بصورة أكثر انتظامًا.
• 50 سنتيمترًا بين الخطوط و10 سنتيمترات بين النباتات
أما المسافات المقترحة، فتحدد في حدود 50 سنتيمترًا بين خطوط الزراعة، بينما تكون المسافة بين النباتات حوالي 10 سنتيمترات بعد إجراء عملية الخف.
ويأتي الخف لضبط الكثافة النهائية للنباتات والتخلص من الازدحام داخل الخط، بما يسمح للنباتات المتبقية بالحصول على المساحة المناسبة للنمو.
وتتم عملية الخف عندما يصل النبات إلى ارتفاع يتراوح بين 5 و10 سنتيمترات.
• الزراعة تحت النخيل الفتي.. المسافة تصنع الفرق
يمكن إدماج الكينوا ضمن الزراعة البينية تحت النخيل الفتي، لكن ذلك يتطلب مراعاة المسافة الفاصلة عن ساق النخلة.
وتوصى مسافة تتراوح بين 1.5 و2 متر عن ساق النخلة الفتية، بهدف الحد من المنافسة على العناصر الغذائية والمياه.
وتوفر الزراعة البينية فرصة للاستفادة من المساحات الموجودة بين الأشجار، غير أن نجاحها يرتبط بحسن توزيع المحصول وضبط عمليات الري والتسميد، حتى لا تتحول المنافسة بين النباتات إلى عامل يؤثر على مردودية النظام الزراعي ككل.
وتتميز الكينوا بنظام جذري وتدي يمكنها من الوصول إلى طبقات أعمق من التربة، وهو ما يمنح النبات قدرة جيدة على الاستفادة من المياه والعناصر المعدنية المتوفرة في منطقة الجذور.
وتكتسي هذه الخاصية أهمية في البيئات الصحراوية، حيث يمثل التحكم في المياه والاستفادة المثلى منها أحد أهم عوامل نجاح الزراعة.
غير أن قوة النظام الجذري لا تعني الاستغناء عن الإدارة الجيدة للري، إذ تظل المراحل الأولى من نمو النبات حساسة تجاه نقص المياه أو سوء توزيعها.
• هل تحتاج الكينوا إلى تسميد جديد؟
وفق التوصيات المعتمدة في هذا الدليل، يمكن في البداية الاكتفاء بمخلفات وبقايا التسميد الخاصة بالزراعة السابقة، دون إضافة تسميد جديد مباشرة عند الانطلاق.
أما التسميد المعدني التكميلي، فيُعتمد عليه عند ظهور أعراض أو مؤشرات واضحة على نقص أحد العناصر الغذائية خلال مراحل نمو النبات.
وتسمح هذه المقاربة بتفادي التسميد العشوائي، والاعتماد بدلًا من ذلك على مراقبة حالة النبات واحتياجاته الفعلية.
وتبقى مراقبة النمو ولون الأوراق وتطور النبات من الوسائل المهمة التي تساعد الفلاح على اكتشاف أي اختلال غذائي في وقت مبكر.
• تسوية الأرض.. خطوة أساسية قبل البذر
في الأراضي الصحراوية، تصبح تسوية التربة ذات أهمية خاصة، لأن اختلاف مستوى سطح الأرض يمكن أن يؤدي إلى تفاوت في وصول مياه الري.
ولهذا يُنصح بإجراء تسوية دقيقة للتربة قبل عملية البذر، بهدف تحقيق تجانس في عمق الزراعة وضمان توزيع أكثر انتظامًا للمياه.
وتساعد الأرض المستوية كذلك على الحد من تجمع المياه في بعض النقاط مقابل حرمان نقاط أخرى منها، وهو أمر يمكن أن يؤثر على تجانس الإنبات والنمو.
• أي نظام ري يناسب زراعة الكينوا؟
تختلف طريقة الري المناسبة بحسب الإمكانيات المتوفرة لدى الفلاح وطبيعة الأرض ونظام الزراعة، وتبرز ثلاثة أنظمة رئيسية يمكن استخدامها.
– الري بالتنقيط
يعد الري بالتنقيط من الخيارات التي تسمح بتوفير الرطوبة في منطقة الجذور بصورة أكثر دقة، كما يساعد على الحد من جرف البذور السطحية.
وتزداد أهمية هذا النظام خلال مرحلة الإنبات، حيث تكون البذور قريبة من سطح التربة وحساسة لقوة تدفق المياه.
– الري بالرش
يمكن استخدام الري بالرش، خصوصًا خلال مرحلة الإنبات، حيث يساعد على تثبيت التربة الرملية وتوفير رطوبة مناسبة تساعد البذور على الإنبات.
غير أن التوصيات تشير إلى ضرورة تقليل استخدامه خلال مرحلة التزهير، مع مراعاة احتياجات النبات والظروف السائدة في الحقل.
– الري بالغمر
أما الري بالغمر أو الأحواض، فيتطلب إعداد أحواض صغيرة ومستوية بشكل جيد، مع إدخال المياه ببطء شديد.
والهدف من ذلك هو تجنب جرف البذور الموضوعة على عمق سطحي، وضمان وصول المياه تدريجيًا إلى منطقة الزراعة.
ومن أهم العمليات الزراعية التي يجب عدم إهمالها بعد الإنبات، التعشيب المبكر.
فالنباتات الفتية للكينوا تحتاج خلال الأسابيع الأولى إلى ظروف مناسبة للنمو، ويمكن للأعشاب الضارة أن تنافسها على الماء والعناصر الغذائية والضوء.
ولهذا يُنصح بتنظيف الحقل خلال الأسابيع الأولى، وعدم السماح للأعشاب بالانتشار قبل أن يصبح محصول الكينوا أكثر قدرة على منافستها.
ويعتبر التحكم المبكر في الأعشاب أكثر فاعلية من انتظار انتشارها بكثافة، لأن إزالتها في مراحل متقدمة قد تصبح أكثر صعوبة وتكلفة.
• وصفة النجاح في زراعة الكينوا صحراويًا
وتتلخص أهم عوامل نجاح زراعة الكينوا في المناطق الصحراوية في مجموعة من العمليات المتكاملة: اختيار الموعد المناسب، وضبط كمية البذور، واحترام عمق البذر، وتسوية التربة، وضبط المسافات، واختيار نظام الري الملائم، ثم إجراء الخف والتعشيب في الوقت المناسب.
ولا ينبغي التعامل مع أي عنصر من هذه العناصر بمعزل عن الآخر، لأن نجاح المحصول يعتمد على انسجام مختلف العمليات الزراعية منذ إعداد الأرض وحتى المراحل المتقدمة من النمو.
• الكينوا.. محصول يمكن أن يثري تنوع الزراعة الصحراوية
وتفتح زراعة الكينوا في المناطق الصحراوية مجالًا أمام تنويع المحاصيل واستغلال الأراضي الزراعية بصورة أكثر كفاءة، خاصة عند إدماجها ضمن أنظمة الزراعة البينية في بساتين النخيل الفتي.
• إطلاق مسابقة أحسن حقل كينوا 2026 بتوقرت
وتستعد منطقة تقرت لإطلاق مسابقة أحسن حقل كينوا بوادي ريغ – طبعة 2026، في مبادرة تهدف إلى تشجيع الفلاحين والفلاحات والمرأة الريفية والشباب على توسيع زراعة الكينوا، وتثمين التجارب الحقلية الناجحة التي يمكن أن تتحول إلى نماذج عملية قابلة للتعميم في المنطقة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..