تتجه الجزائر بخطى متسارعة نحو إرساء منظومة وطنية متكاملة للفلاحة العضوية، من خلال التحضير لإطلاق علامة “عضوي” وعلامة “المنتج المميز” للمنتجات الفلاحية، في خطوة من شأنها إعادة رسم ملامح هذا النشاط الزراعي الواعد، وفتح آفاق جديدة أمام المنتجين الجزائريين لولوج الأسواق الوطنية والدولية التي تشهد طلباً متزايداً على المنتجات الصحية والصديقة للبيئة.
وفي هذا السياق، احتضن المعهد الوطني الجزائري للبحث الزراعي يومي 20 و21 جويلية 2026 ورشة وطنية خصصت للمصادقة على الشعب الفلاحية ذات الأولوية لتطوير الفلاحة العضوية في الجزائر، وذلك ضمن مشروع التوأمة بين الاتحاد الأوروبي ووزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، الهادف إلى وضع الإطار القانوني والتنظيمي لهذا النمط الزراعي وفق المعايير الدولية.
وشكلت هذه الورشة محطة أساسية في مسار إعداد الاستراتيجية الوطنية للفلاحة العضوية، باعتبارها جمعت مختلف الفاعلين من باحثين وخبراء ومهنيين وإدارات تقنية من أجل رسم خارطة طريق تحدد أولويات المرحلة المقبلة، وآليات الانتقال التدريجي نحو إنتاج فلاحي أكثر استدامة واحتراماً للبيئة.
• خبراء جزائريون وإيطاليون لرسم مستقبل الفلاحة العضوية
أشرف على افتتاح أشغال الورشة المدير المساعد للمعهد الوطني الجزائري للبحث الزراعي، الدكتور رشيد البويحياوي، بحضور خبراء إيطاليين وإطارات من وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، إضافة إلى ممثلي مديريات المصالح الفلاحية، والغرف الفلاحية، والمعاهد التقنية والبحثية، وعدد من الباحثين والمتخصصين، من بينهم الدكتورة باشة فضيلة، الباحثة بقسم الاقتصاد الزراعي والريفي والصناعات الزراعية الغذائية.
ويعكس هذا الحضور الواسع الرغبة في إشراك مختلف المتدخلين في بناء منظومة وطنية للفلاحة العضوية، تقوم على أسس علمية وتقنية واقتصادية، وتستفيد من التجارب الدولية الناجحة، مع مراعاة خصوصيات الزراعة الجزائرية وتنوعها المناخي والجغرافي.
• الشعب الفلاحية الأكثر جاهزية
ركزت أشغال الورشة على اختيار الشعب الفلاحية التي تمتلك أكبر المقومات للانتقال إلى نظام الإنتاج العضوي، اعتماداً على مجموعة من المعايير العلمية والاقتصادية والبيئية، من بينها توفر المؤهلات الطبيعية، والقدرة على احترام شروط الإنتاج العضوي، وإمكانات التسويق محلياً وخارجياً.
كما ناقش المشاركون آليات مرافقة المنتجين، وتوفير التأطير والتكوين اللازمين، وتسهيل انتقال المستثمرات الفلاحية تدريجياً من النمط التقليدي إلى الإنتاج العضوي، بما يضمن الحفاظ على جودة المنتوج واحترام المعايير البيئية.
نجاح هذه العملية يتطلب تدرجاً في التطبيق، مع توفير الدعم التقني والمؤسساتي للفلاحين، حتى يتمكنوا من الالتزام بشروط الإنتاج العضوي دون التأثير على مردودية نشاطهم الاقتصادي.
• علامة “عضوي”.. ضمان للجودة وثقة المستهلك
ومن أبرز مخرجات المشروع الجاري إعداده، إنشاء نظام وطني يمنح علامة “عضوي” للمنتجات الفلاحية المطابقة للمعايير المعتمدة، إلى جانب استحداث “العلامة المميزة” للمنتجات الجزائرية ذات الخصائص النوعية الخاصة.
وسيتيح هذا النظام للمستهلك التعرف بسهولة على المنتجات العضوية الأصلية، ويمنح المنتجين إطاراً قانونياً يحمي منتجاتهم من الغش أو الاستعمال غير المشروع للصفة العضوية، كما يعزز ثقة المستهلك في جودة المنتجات الوطنية.
ويرى مختصون أن اعتماد علامة وطنية معترف بها سيسمح أيضاً برفع القيمة التجارية للمنتجات الجزائرية، وفتح المجال أمام تصديرها إلى الأسواق الخارجية التي تشترط وجود أنظمة تصديق ورقابة معترف بها دولياً.
ولا يقتصر المشروع على منح العلامات فقط، بل يشمل إنشاء منظومة متكاملة للمراقبة والتصديق، تضمن تتبع المنتوج منذ مرحلة الإنتاج داخل المستثمرات الفلاحية، مروراً بعمليات التحويل والتوضيب، وصولاً إلى التسويق.
وستعتمد هذه المنظومة على معايير دقيقة لمراقبة احترام شروط الفلاحة العضوية، بما يشمل استعمال البذور، والأسمدة الطبيعية، ووسائل المكافحة البيولوجية، وطرق التخزين والنقل، لضمان مطابقة المنتجات للمواصفات الوطنية والدولية.
كما ستسهم هذه الآليات في تعزيز شفافية السوق، وحماية المستهلك من المنتجات التي تُسوّق على أنها عضوية دون أن تستوفي الشروط القانونية والفنية اللازمة.
• البحث العلمي في صلب التحول نحو الزراعة العضوية
وفي كلمته خلال افتتاح الورشة، أكد الدكتور رشيد البويحياوي أن المعهد الوطني الجزائري للبحث الزراعي يضع تطوير الفلاحة العضوية ضمن أولوياته، من خلال إنجاز مشاريع بحثية متخصصة، وإنتاج المعرفة العلمية، وتطوير حلول تقنية تواكب احتياجات القطاع.
وأوضح أن نجاح هذا النمط الزراعي يعتمد بدرجة كبيرة على البحث العلمي، الذي يوفر البدائل البيولوجية للأسمدة والمبيدات الكيميائية، ويطور تقنيات المحافظة على خصوبة التربة، وترشيد استعمال المياه، وتحسين الإنتاجية في ظل احترام التوازنات البيئية.
وأشار إلى أن المعهد يعمل على مرافقة المنتجين من خلال الدراسات التطبيقية، والتجارب الميدانية، والتكوين، بما يسمح بنقل نتائج البحث العلمي إلى المستثمرات الفلاحية وتحويلها إلى حلول عملية.
وشدد المشاركون في الورشة على أن الفلاحة العضوية لم تعد مجرد نشاط متخصص، بل أصبحت خياراً استراتيجياً تفرضه التحولات البيئية والمناخية، في ظل تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، وتنامي الطلب العالمي على الأغذية الصحية.
وأكدوا أن هذا النمط من الزراعة يساهم في الحفاظ على خصوبة التربة، وتقليص استعمال المواد الكيميائية، وحماية التنوع البيولوجي، وترشيد استهلاك المياه، والحد من تلوث البيئة، وهو ما يجعله أحد أهم أدوات تحقيق التنمية الزراعية المستدامة.
كما أن الفلاحة العضوية تساعد على رفع جودة المنتجات، وتحسين قيمتها التسويقية، بما يسمح للفلاحين بالحصول على أسعار أفضل مقارنة بالإنتاج التقليدي.
• فرص جديدة أمام المنتجين الجزائريين
ويفتح إنشاء نظام وطني لمنح علامة “عضوي” آفاقاً واسعة أمام الفلاحين والمؤسسات الزراعية الجزائرية، خاصة في ظل النمو المتواصل لسوق المنتجات العضوية عالمياً، والذي يسجل معدلات نمو مرتفعة سنوياً.
ومن شأن هذه الخطوة أن تشجع الاستثمار في الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، وتدفع نحو تطوير الصناعات الغذائية العضوية، وتعزز مكانة الجزائر كمصدر للمنتجات الفلاحية الطبيعية، خاصة في الشعب التي تتمتع فيها البلاد بميزات تنافسية، مثل التمور، وزيت الزيتون، والأعشاب الطبية والعطرية، والفواكه والخضر.
كما ينتظر أن يساهم المشروع في خلق فرص عمل جديدة في مجالات الإنتاج، والتحويل، والتوضيب، والمراقبة، والتصديق، والتسويق، بما يمنح الفلاحة العضوية بعداً اقتصادياً وتنموياً يتجاوز الجانب البيئي.
• خارطة طريق لعصرنة الفلاحة الجزائرية
ويتوقع أن تشكل مخرجات هذه الورشة الأساس الذي ستبنى عليه خارطة الطريق الوطنية لتطوير الفلاحة العضوية، من خلال تحديد الشعب ذات الأولوية، وإعداد النصوص القانونية والتنظيمية، ووضع منظومة التصديق والمراقبة، وتعزيز برامج التكوين والإرشاد الفلاحي.
ويؤكد الخبراء أن نجاح هذا المشروع يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات البحث العلمي، والإدارات العمومية، والهيئات المهنية، والمنتجين، والجامعات، لضمان انتقال تدريجي ومدروس نحو فلاحة أكثر استدامة، وأكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق المحلية والعالمية.
ومع اقتراب إطلاق علامة “عضوي” الجزائرية، تبدو البلاد على موعد مع مرحلة جديدة في مسار تحديث القطاع الفلاحي، تقوم على تثمين المنتجات الوطنية، وتعزيز جودة الإنتاج، وتحقيق قيمة مضافة أعلى للفلاحين، مع ترسيخ مكانة الجزائر ضمن الدول التي تراهن على الزراعة المستدامة كأحد ركائز الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..