مع بداية فصل الصيف، وقبل أسابيع من الانطلاق الفعلي لموسم جني التمور، تبدأ أسواق ولاية بسكرة وعدد من ولايات الجنوب في استقبال أحد أكثر المنتجات الموسمية انتظاراً لدى المستهلكين، وهو “المنقر”، الذي يعد أولى بشائر موسم تمر الغرس، ويتميز بمذاقه الفريد الذي يجمع بين حلاوة التمر وطراوة الرطب، ما يجعله من الفواكه الموسمية التي يحرص كثيرون على اقتنائها فور ظهورها.
ويعد “المنقر” مرحلة طبيعية من مراحل نضج تمر الغرس، إذ تكون الثمرة قد بلغت درجة متقدمة من النضج دون أن تكتمل بالكامل، فيتحول الجزء السفلي منها إلى اللون العسلي أو البني الفاتح، بينما يحتفظ الجزء العلوي بلونه الأصفر أو الذهبي، وهو ما يمنحها شكلاً مميزاً ومذاقاً مختلفاً عن الرطب الكامل أو التمر الجاف.
ويعتبر سكان الجنوب أن ظهور “المنقر” يمثل الإعلان الحقيقي عن انطلاق موسم التمور، حيث يسبق بعدة أسابيع نضج محصول الغرس بشكل كامل، قبل أن تلتحق به لاحقاً أصناف أخرى، على رأسها دقلة نور التي يبدأ موسمها في فترات لاحقة.
• مرحلة انتقالية تمنح الثمرة نكهة استثنائية
ويرى مختصون في زراعة النخيل أن “المنقر” ليس صنفاً مستقلاً من التمور، بل يمثل مرحلة انتقالية في دورة نضج تمر الغرس، وهي مرحلة قصيرة نسبياً لا تدوم سوى أيام قليلة، الأمر الذي يجعل توفره في الأسواق محدوداً، ويزيد من الإقبال عليه.
وخلال هذه المرحلة تحتفظ الثمرة بنسبة مرتفعة من الرطوبة، مع بداية تركز السكريات الطبيعية داخلها، فتكون أقل جفافاً من التمر وأكثر تماسكاً من الرطب، وهو ما يمنحها قواماً مميزاً ونكهة محببة لدى المستهلكين.
ويؤكد فلاحون أن هذه المرحلة تعد من أفضل مراحل استهلاك الغرس بالنسبة للكثير من العائلات، التي اعتادت اقتناء “المنقر” مباشرة بعد جنيه للاستمتاع بطعمه الطبيعي قبل أن يتحول إلى تمر مكتمل النضج.
• جني يدوي يحتاج إلى مهارة وخبرة
ويختلف جني “المنقر” عن عمليات جني كثير من المحاصيل الفلاحية، إذ يعتمد بالكامل تقريباً على العمل اليدوي، ويتطلب خبرة كبيرة في تحديد درجة النضج المناسبة لكل ثمرة.
ويضطر العمال إلى تسلق أشجار النخيل التي قد يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، مستعينين بوسائل تقليدية أو حديثة للوصول إلى العراجين، ثم اختيار الثمار التي بلغت مرحلة “المنقر” بدقة، دون المساس بالثمار التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت.
كما تتم عملية الجني عادة خلال ساعات الصباح الباكر أو قبيل غروب الشمس، لتفادي درجات الحرارة المرتفعة التي تعرفها الواحات الجنوبية خلال فصل الصيف، والتي قد تتجاوز في بعض الأيام خمسين درجة مئوية.
ويشير الفلاحون إلى أن أكبر صعوبة تواجههم تتمثل في أن الثمار الموجودة على العرجون الواحد لا تنضج في الوقت نفسه، مما يفرض عليهم العودة أكثر من مرة إلى النخلة لجني الكميات التي تبلغ المرحلة المناسبة، وهو ما يرفع من تكاليف اليد العاملة ويجعل العملية أكثر تعقيداً.
• منتج موسمي محدود الكميات
وبسبب قصر الفترة التي يبقى فيها “المنقر” محتفظاً بخصائصه المميزة، فإن كمياته في الأسواق تكون محدودة مقارنة بالتمور الناضجة.
ولهذا السبب غالباً ما يعرف هذا المنتج طلباً مرتفعاً بمجرد ظهوره، خاصة في ولايات الجنوب، قبل أن يمتد تسويقه نحو المدن الشمالية التي يفضل سكانها اقتناء التمور نصف الطازجة خلال فصل الصيف.
ويؤكد التجار أن “المنقر” يعد من المنتجات الموسمية التي تحقق حركية تجارية معتبرة في بداية موسم التمور، إذ يقبل عليه المستهلكون بسرعة، سواء للاستهلاك المباشر أو لإهدائه للأقارب باعتباره من أوائل منتجات الواحات في كل موسم.
• أصناف أخرى تؤكل نصف طازجة
ولا يقتصر استهلاك التمور نصف الطازجة على الغرس وحده، بل تعرف الواحات الجزائرية عدداً من الأصناف المحلية التي يتم استهلاكها في مرحلة مبكرة من النضج، من بينها صنفا اليتيمة والطنطبوشت، اللذان يعرفان محلياً باسم “التكرموست”.
وتختلف هذه الأصناف من حيث الشكل والطعم والقوام، غير أنها تشترك جميعاً في كونها تستهلك قبل اكتمال نضجها، وهي عادة غذائية متوارثة منذ قرون في مناطق الجنوب.
• الغرس… أحد أعمدة اقتصاد الواحات
ويعد تمر الغرس من أهم الأصناف المنتجة في الجزائر، خاصة في ولايات بسكرة والوادي وتقرت وأولاد جلال، حيث يشكل مورداً اقتصادياً أساسياً لآلاف الفلاحين.
ويتميز هذا الصنف بغناه بالسكريات الطبيعية وسهولة تحويله إلى عجينة التمر، الأمر الذي جعله المادة الأولية لعدد كبير من الصناعات الغذائية التقليدية والعصرية، كما يدخل في صناعة الحلويات، والعجائن، والمنتجات الطاقوية.
وتساهم زراعة الغرس في خلق آلاف مناصب العمل الموسمية، سواء في عمليات خدمة النخيل، أو الجني، أو الفرز، أو التخزين، أو التحويل الصناعي، أو التسويق.
• قطاع استراتيجي يعزز الاقتصاد الوطني
وتحتل الجزائر مكانة متقدمة عالمياً في إنتاج التمور، حيث تضم أكثر من ألف صنف محلي، وتنتج سنوياً كميات معتبرة يتم توجيه جزء منها إلى الأسواق الخارجية.
ويعتبر قطاع التمور من أهم القطاعات الفلاحية ذات القيمة المضافة، بالنظر إلى مساهمته في تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات، فضلاً عن دوره في تثبيت السكان بالمناطق الصحراوية، واستحداث فرص العمل، وتنشيط الاقتصاد المحلي.
كما يشهد القطاع خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بتطوير أساليب الإنتاج والتوضيب والتخزين، وتحسين جودة المنتوج بما يتوافق مع المعايير الدولية، وهو ما ساهم في ارتفاع الطلب على التمور الجزائرية في العديد من الأسواق الخارجية.
• تثمين “المنقر” يفتح آفاقاً جديدة
ويرى مختصون في الاقتصاد الفلاحي أن “المنقر” يمثل منتجاً موسمياً يمكن تثمينه بشكل أكبر من خلال تحسين أساليب التعبئة والتغليف، وتطوير سلاسل التسويق، والترويج له كفاكهة صيفية صحية ذات قيمة غذائية مرتفعة.
كما يمكن لهذا المنتج أن يشكل رافداً إضافياً للسياحة الفلاحية في ولايات الجنوب، من خلال تنظيم تظاهرات موسمية للتعريف بمنتجات الواحات، وإبراز الموروث الثقافي المرتبط بالنخيل والتمور.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..