تشهد ولاية المنيعة خطوة جديدة في مسار تطوير الفلاحة الصحراوية، بعد نجاح التجارب الأولى لزراعة صنف التفاح المعروف بـ”الهانا”، في مؤشر يعكس اتساع دائرة الزراعات الإستراتيجية التي أصبحت تحقق نتائج مشجعة في مناطق الجنوب الجزائري، بفضل برامج الدولة الرامية إلى استصلاح الأراضي، وتوسيع المساحات المسقية، واعتماد التقنيات الزراعية الحديثة.
وأسفرت التجارب الأولية عن تحقيق مردود بلغ نحو 50 قنطاراً في الهكتار، وهي نتائج اعتبرها مختصون واعدة بالنظر إلى حداثة التجربة وطبيعة الظروف المناخية التي تتميز بها المنطقة، مؤكدين أن تحسين التقنيات الزراعية، واختيار الأصناف الأكثر ملاءمة، من شأنهما رفع الإنتاجية خلال المواسم المقبلة.
ويأتي هذا الإنجاز ليؤكد مرة أخرى أن الصحراء الجزائرية لم تعد تقتصر على إنتاج المحاصيل التقليدية، بل أصبحت فضاءً خصباً لتجريب وتطوير زراعة الأشجار المثمرة ذات القيمة الاقتصادية العالية، بعد النجاحات التي حققتها ولايات الجنوب في إنتاج البطاطا والحبوب والذرة والأعلاف، فضلاً عن توسع زراعة الزيتون والعنب والرمان وغيرها من الزراعات التي أثبتت قدرتها على التأقلم مع المناخ الصحراوي.
ويرى مهنيون أن نجاح زراعة التفاح في المنيعة يمثل مكسباً جديداً للقطاع الفلاحي، خاصة في ظل الطلب المتزايد على هذه الفاكهة في السوق الوطنية، حيث يمكن لهذا التوجه أن يساهم مستقبلاً في تقليص فاتورة الاستيراد، وتحقيق وفرة أكبر في الإنتاج المحلي، فضلاً عن خلق قيمة مضافة من خلال الصناعات التحويلية المرتبطة بتثمين التفاح، كالعصائر والمربى والفواكه المجففة.
كما يبرز هذا النجاح أهمية البحث الزراعي والتجارب الميدانية في استنباط أصناف تتكيف مع خصوصيات كل منطقة، إذ لم يعد نجاح المشاريع الفلاحية مرتبطاً فقط بتوفير المياه، بل أيضاً بحسن اختيار الأصناف النباتية، واعتماد أساليب الري الحديثة، والتسميد المتوازن، والمتابعة التقنية المستمرة.
ويؤكد مختصون أن مردود 50 قنطاراً في الهكتار، رغم أنه يمثل مرحلة أولى من التجارب، يبقى مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه مستقبلاً من خلال تحسين الممارسات الزراعية، واختيار الأصول المناسبة، واعتماد تقنيات أكثر تطوراً في إدارة البساتين، بما يسمح برفع الإنتاج والنوعية معاً.
وتنسجم هذه التجربة مع الإستراتيجية الوطنية الرامية إلى تنويع الإنتاج الفلاحي وتوسيع خارطة الأشجار المثمرة، خاصة في المناطق الصحراوية التي تمتلك مؤهلات كبيرة بفضل وفرة المساحات القابلة للاستصلاح، واعتماد أنظمة السقي الحديثة، والاستثمارات المتزايدة في القطاع الفلاحي.
ويراهن الفاعلون في القطاع على أن تتحول هذه التجارب إلى مشاريع إنتاجية واسعة خلال السنوات المقبلة، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي، وخلق مناصب شغل جديدة، وتنويع مصادر دخل الفلاحين، إلى جانب فتح آفاق مستقبلية لتصدير بعض أصناف الفواكه الجزائرية التي تتميز بجودة عالية وقدرة تنافسية في الأسواق الخارجية.
ويؤكد نجاح تجربة “الهانا” بالمنيعة أن الفلاحة الجزائرية تواصل اكتشاف آفاق جديدة للإنتاج، وأن الجنوب أصبح يشكل أحد أهم محركات التنمية الزراعية في البلاد، بفضل المشاريع الاستثمارية الكبرى، والدعم العمومي، والتطور المتواصل في استخدام التقنيات الحديثة، بما يعزز مكانة الجزائر كقوة فلاحية صاعدة قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من الشعب الزراعية، والتوجه تدريجياً نحو الأسواق الدولية بمنتجات ذات جودة عالية.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..