تحول التين الشوكي، المعروف في الجزائر بأسماء عدة مثل “الهندي”، مجرد نبات بري على مر العقود إلى واحد من أبرز المنتجات الفلاحية الصيفية التي ارتبطت بالهوية الغذائية الجزائرية، وأصبح حضوره في الأسواق الشعبية جزءا من المشهد اليومي خلال أشهر الحر.
ورغم أن أصول هذه الثمرة تعود إلى القارة الأمريكية، فإنها استطاعت عبر قرون من التكيف مع المناخ الجزائري أن تندمج بشكل كامل في البيئة المحلية، حتى بات الكثيرون يعتبرونها منتجا جزائريا أصيلا، شأنها شأن التين والعنب والرمان وغيرها من الفواكه التقليدية التي تزين موائد الجزائريين في فصل الصيف.
ومع اشتداد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، يزداد الإقبال على هذه الفاكهة التي تتميز بطعمها المنعش وقيمتها الغذائية العالية، فضلا عن أسعارها التي تبقى في متناول شريحة واسعة من المواطنين مقارنة ببعض الفواكه الموسمية الأخرى.
• حضور قوي في الأسواق الشعبية
تشهد الأسواق الشعبية عبر مختلف ولايات الوطن، من الجزائر العاصمة إلى البليدة وعنابة وسطيف والشلف وقسنطينة ووهران، إقبالا كبيرا على اقتناء التين الشوكي، حيث تتحول عربات الباعة إلى محطات يقصدها المئات يوميا.
وفي السوق المغطاة القديمة بباب الوادي، كما في العديد من الأسواق العريقة، اشتهر عدد من الباعة ببيع هذه الثمرة التي يتم جنيها من مرتفعات بوزريعة وغيرها من المناطق الجبلية، حيث يؤكد العارفون أن أجود أنواع التين الشوكي هو ذلك الذي ينمو طبيعيا فوق المرتفعات الصخرية، مستفيدا من أشعة الشمس المباشرة وقلة الرطوبة، وهو ما يمنحه مذاقا أكثر حلاوة وجودة.
وتعرف هذه الفاكهة بكونها من أكثر المنتجات الموسمية ارتباطا بالذاكرة الجماعية للجزائريين، إذ يكاد لا يخلو حي أو سوق خلال فصل الصيف من باعة “الهندي” الذين يتفننون في تقشير الثمار بسرعة كبيرة، مستعينين بخبرة طويلة لتفادي الأشواك الدقيقة التي تغطي القشرة الخارجية.
• عربات الهندي تحجز موقعا في الأحياء والشوارع
ارتبط التين الشوكي بعدد كبير من العبارات الشعبية التي لا تزال راسخة في ذاكرة الجزائريين، خاصة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كان الباعة يجوبون الأحياء مرددين العبارة الشهيرة: “أياو الهندي… كول ودي والموس من عندي”، في دعوة مباشرة للمارة لتذوق الثمرة والاستمتاع بها.
كما ارتبطت هذه الفاكهة بمظاهر الصيف والعطل المدرسية، إذ كان الأطفال والشباب يقصدون المناطق الجبلية لجنيها مباشرة من الحقول، في مشاهد أصبحت جزءا من التراث الشعبي الجزائري.
ولم تقتصر شهرة التين الشوكي على المدن الساحلية فقط، بل امتدت إلى مختلف ولايات الوطن، حيث يحظى بإقبال واسع من العائلات التي تعتبره فاكهة صيفية لا غنى عنها، رغم التحذيرات التقليدية من الإفراط في تناوله لما قد يسببه من إمساك.
• رحلة طويلة بدأت من المكسيك وانتهت في الجزائر
تشير المصادر التاريخية إلى أن التين الشوكي يعود في الأصل إلى المكسيك، قبل أن ينتقل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط مع الرحلات الإسبانية عقب اكتشاف العالم الجديد.
وقد وثق الرحالة الإنجليزي الدكتور توماس شاو، في كتابه الشهير “رحلة إلى ولاية الجزائر في القرن الثامن عشر”، وجود هذه النبتة بكثرة في الجزائر، مؤكدا أنها كانت تنمو في المناطق الجبلية وحتى في بعض الجزر الساحلية، وأن العديد من العائلات كانت تعتمد عليها كغذاء رئيسي خلال أشهر الصيف.
وأشار شاو إلى أن اسم “الهندي” يعكس ارتباطها بالعالم الجديد الذي كان يعرف آنذاك باسم “الهند الغربية”، بينما يعود اسم “أكربوز” إلى التسمية الأمازيغية القديمة التي ما تزال متداولة في بعض المناطق الجزائرية.
ومنذ ذلك الحين، نجحت هذه النبتة في التأقلم مع الظروف المناخية المحلية، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من المنظومة البيئية والزراعية الجزائرية.
• زيت يعد من الأغلى في العالم
لا تقتصر أهمية التين الشوكي على مذاقه اللذيذ، بل يتميز أيضا بقيمة غذائية معتبرة جعلته يحظى باهتمام الباحثين وخبراء التغذية.
فالثمرة تحتوي على نسبة مرتفعة من الألياف الغذائية والفيتامينات، خاصة فيتامين “سي”، إضافة إلى البوتاسيوم والمغنيسيوم ومضادات الأكسدة التي تساعد في حماية الجسم من الإجهاد التأكسدي.
كما تتميز بانخفاض سعراتها الحرارية، إذ لا تتجاوز نحو 44 سعرة حرارية لكل 100 غرام، ما يجعلها مناسبة للأنظمة الغذائية الصحية.
أما بذورها، فتستخرج منها زيوت طبيعية عالية الجودة تعد من أغلى الزيوت النباتية في العالم، نظرا لندرتها وكثرة الطلب عليها في صناعات مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، لما تحتويه من عناصر فعالة تساعد على ترطيب الجلد ومقاومة الشيخوخة وتجديد الخلايا.
شهدت السنوات الأخيرة توسعا تدريجيا في استغلال التين الشوكي خارج الاستهلاك الطازج، حيث أصبح يدخل في العديد من الصناعات الغذائية والتحويلية.
فإلى جانب إنتاج العصائر والمربى والمشروبات الطبيعية، تستعمل ثماره في صناعة الحلويات التقليدية والعصرية، بينما تدخل بذوره في إنتاج الزيوت الطبية والتجميلية.
كما تستغل ألواح النبتة في بعض المناطق كمادة علفية للماشية، خاصة خلال فترات الجفاف، نظرا لقدرتها الكبيرة على الاحتفاظ بالمياه ومقاومة الظروف المناخية القاسية.
• ولايات الشرق تقود مشروع تثمين التين الشوكي
عرفت زراعة التين الشوكي في الجزائر تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ولايات الشرق، وعلى رأسها سوق أهراس وخنشلة وباتنة وتبسة.
وتعد ولاية سوق أهراس من أبرز المناطق المنتجة لهذه الفاكهة، بعدما توسعت المساحات المزروعة من نحو ألف هكتار فقط إلى ما يقارب 12 ألف هكتار، في إطار برامج تهدف إلى تنويع الإنتاج الفلاحي ورفع مداخيل الفلاحين.
كما يجري العمل على إنشاء تعاونية متخصصة لتحويل واستغلال التين الشوكي ببلدية سيدي فرج، بهدف تثمين الإنتاج المحلي وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
وفي ولاية باتنة، برزت مبادرات شبابية لاستغلال بذور التين الشوكي في إنتاج زيوت طبيعية عالية الجودة، وهو نشاط يفتح آفاقا استثمارية واعدة في مجال الصناعات التحويلية.
يرى مختصون أن التين الشوكي يمثل أحد المنتجات الفلاحية القادرة على تحقيق قيمة مضافة معتبرة للاقتصاد الوطني، إذا ما تم تطوير سلسلة إنتاجه وتحويله وتسويقه وفق المعايير الدولية.
وفي السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بهذه الزراعة بقوة، حيث تم تأسيس جمعية وطنية لمنتجي ومحوّلي التين الشوكي تضم ممثلين عن 14 ولاية، بهدف تنظيم القطاع وتحسين جودة الإنتاج وتطوير الصناعات المرتبطة به.
كما سبق لمتعاملين جزائريين من ولاية خنشلة أن أبرموا اتفاقيات تعاون مع شركاء أوروبيين لتطوير إنتاج وتصدير هذه الفاكهة، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي المتزايد بالمنتجات الطبيعية ذات القيمة الصحية المرتفعة.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..