حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

مع انبلاج فجر عيد الأضحى في الجزائر، وبينما تنشغل العائلات بأداء شعيرة النحر وتوزيع اللحوم وصلة الأرحام، تنطلق في العديد من البيوت، خصوصًا بالمناطق الريفية والجبلية، ورشة عمل تقليدية لا تقل أهمية عن طقوس العيد نفسها. إنها رحلة “الهيدورة”، تلك الممارسة التراثية العريقة التي حولت جلد الأضحية وصوفها عبر أجيال متعاقبة إلى مورد اقتصادي منزلي ومصدر فخر اجتماعي للمرأة الجزائرية.
فما إن تنتهي عملية الذبح حتى تبدأ النساء في جمع الجلود وفرز الصوف وتنظيفه، استعدادًا لمسار طويل من المعالجة والدباغة والغزل، وهي أعمال ارتبطت تاريخيًا بالحياة اليومية للمجتمع الجزائري وشكلت جزءًا من ذاكرته الجماعية ومنظومته الاقتصادية التقليدية.
ورغم التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفتها الجزائر خلال العقود الأخيرة، لا تزال “الهيدورة” تحتفظ بمكانة خاصة في وجدان الكثير من العائلات، باعتبارها رمزًا للأصالة وحسن التدبير والاستغلال الأمثل للموارد.

عندما كان جلد الأضحية عنوانًا لخبرة الأمهات

لم تكن “الهيدورة” مجرد جلد أضحية يُجفف أو يُخزن للاستعمال لاحقًا، بل كانت معيارًا حقيقيًا لقياس مهارة المرأة الجزائرية وقدرتها على تدبير شؤون بيتها.
وفي الذاكرة الشعبية الجزائرية، كثيرًا ما ارتبطت سمعة العائلة بحسن استغلالها لمخلفات الأضحية. وكانت الأمهات والجدات يتباهين بقدرتهن على تحويل جلد الخروف وصوفه إلى منتجات منزلية تدوم سنوات طويلة.
وقد كانت العائلات الريفية تعتبر ضياع الجلد أو تلفه نوعًا من التبذير غير المقبول، لأن الجلد يمثل مادة أولية ذات قيمة اقتصادية كبيرة يمكن تحويلها إلى منتجات متعددة تخدم الأسرة وتوفر عليها مصاريف إضافية.
كما ارتبطت “الهيدورة” بقيم العمل والصبر والإتقان، حيث كانت الفتيات يتعلمن منذ الصغر أسرار تنظيف الجلود ودباغتها وغزل الصوف وصناعة الأفرشة التقليدية، في إطار عملية تناقل ثقافي مستمرة بين الأجيال.

رحلة طويلة من التنظيف والدباغة

كانت أولى مراحل الحفاظ على الجلد تبدأ مباشرة بعد عملية السلخ، حيث تحرص النساء على فرده بعناية وتنظيفه من بقايا الدهون والشوائب.
ويُغسل الجلد باستعمال ما يعرف محليًا بـ”صابون الطرف”، وهو صابون تقليدي كان يُستخدم بكثرة في المناطق الريفية لما يتميز به من قدرة على التنظيف العميق والمحافظة على ألياف الجلد الطبيعية.
بعد ذلك تأتي مرحلة التمليح، وهي من أهم المراحل في عملية الحفظ. إذ يُغطى الجلد بطبقات من الملح الخشن الذي يعمل على امتصاص الرطوبة ومنع تكاثر البكتيريا والفطريات المسببة للتعفن.
ثم يُترك الجلد لفترة محددة قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيدًا تشمل الحك اليدوي والتقشير وإزالة بقايا الأنسجة العالقة، وصولًا إلى مرحلة الدباغة التي تمنحه المرونة والصلابة المطلوبة للاستعمالات المختلفة.
وكانت هذه العمليات تتطلب خبرة كبيرة وصبرًا طويلًا، إذ قد تمتد أسابيع كاملة قبل الحصول على جلد جاهز للاستعمال أو التحويل الصناعي التقليدي.

“التويزة”.. حين كانت الهيدورة تتحول إلى عرس نسوي جماعي

لم تكن عملية استغلال الصوف والجلود نشاطًا فرديًا، بل كانت مناسبة اجتماعية بامتياز تُعرف في كثير من مناطق الجزائر باسم “التويزة”.
وكانت النساء يتجمعن في بيت واحد للمشاركة في تنظيف الصوف ونفضه وتمشيطه وغزله، في أجواء يغلب عليها التضامن والتعاون وتبادل الخبرات.
وخلال هذه اللقاءات كانت تتعالى الأهازيج الشعبية والمدائح الدينية والأغاني التراثية التي تضفي على العمل طابعًا احتفاليًا خاصًا.
كما كانت صاحبة البيت تستقبل المشاركات بأنواع من الحلويات التقليدية والأطباق المحلية، مثل الرفيس والمثقبة والطعام المحضر من منتجات الموسم، ما يجعل من “التويزة” حدثًا اجتماعياً وثقافياً تتجاوز أهميته الجانب الإنتاجي البحت.
وقد لعبت هذه الممارسات دورًا كبيرًا في تعزيز الروابط الاجتماعية بين النساء ونقل المعارف التقليدية من جيل إلى آخر.

من الصوف إلى الزرابي والبرنوس

شكل الصوف المستخرج من الأضاحي والقطعان المحلية مادة أساسية في الصناعات التقليدية الجزائرية لقرون طويلة.
وكانت النساء يحولنه إلى خيوط تُستخدم في صناعة الزرابي والأغطية والأفرشة المنزلية، فضلاً عن المساند التقليدية والوسائد والأغطية الشتوية الثقيلة.
أما الجلود فكانت تدخل في صناعة العديد من الأدوات المنزلية والحرفية، إضافة إلى استخدامها في إنتاج الملابس التقليدية التي اشتهرت بها مناطق عديدة من الجزائر.

زحف التحديث يغير المشهد

شهدت السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست نمط الحياة في الجزائر، خاصة مع الانتقال من البيوت التقليدية الواسعة إلى الشقق السكنية الحديثة.
هذا التحول العمراني جعل من الصعب على الكثير من العائلات ممارسة عمليات تنظيف الجلود وتجفيفها أو تخزين الصوف كما كان يحدث في السابق.
كما ساهم انتشار المنتجات الصناعية الجاهزة في تراجع الطلب على العديد من المنتجات التقليدية المصنوعة من الصوف والجلود.
وأمام غياب قنوات منظمة لجمع الجلود واستغلالها في بعض الفترات، تحولت كميات كبيرة منها إلى نفايات تُرمى في الشوارع والأحياء بعد العيد، مسببة مشاكل بيئية وصحية.
وتشير تقديرات مختصين إلى أن الجزائر تفقد سنويًا كميات معتبرة من الجلود القابلة للتثمين الصناعي، رغم ما تمثله من مادة أولية مهمة لقطاع الدباغة والصناعات الجلدية.

جهود لإحياء المورد المنسي وإعادة الاعتبار للجلود والصوف

خلال السنوات الأخيرة، عادت قضية استرجاع جلود الأضاحي إلى واجهة النقاش الاقتصادي والبيئي.
وأطلقت السلطات العمومية عدة مبادرات تهدف إلى جمع الجلود وتوجيهها نحو وحدات الدباغة الوطنية من أجل تثمينها وتحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة.
كما تنشط جمعيات محلية ومؤسسات شبابية في تنظيم حملات تحسيسية تدعو المواطنين إلى عدم رمي الجلود والتعامل معها باعتبارها مادة اقتصادية قابلة للاستغلال.
وفي المقابل، تعمل بعض التعاونيات النسوية والحرفيات على إعادة إدماج منتجات الصوف والجلود في الديكور العصري من خلال تصميم مفروشات وإكسسوارات حديثة تجمع بين الطابع التقليدي واللمسة المعاصرة.
ويرى مهنيون أن هذه المبادرات يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة أمام الصناعات التقليدية الجزائرية، خاصة إذا تم ربطها بالسياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي.

ذاكرة حية تستحق الحماية

ورغم التغيرات التي فرضها العصر الحديث، تبقى “الهيدورة” أكثر من مجرد عادة مرتبطة بعيد الأضحى؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية تعكس علاقة الجزائري بأرضه وموارده وتراثه.
إنها قصة نساء حوّلن جلد الأضحية وصوفها إلى أدوات للعيش والإنتاج والإبداع، ورسّخن عبر الأجيال ثقافة تقوم على عدم التبذير والاستغلال الذكي للموارد المتاحة.
واليوم، ومع تنامي الاهتمام بالاقتصاد الدائري والحرف التقليدية والتنمية المستدامة، تبدو “الهيدورة” مؤهلة للعودة من جديد، ليس فقط كطقس تراثي، بل كرافد اقتصادي وثقافي قادر على خلق القيمة والحفاظ على جزء أصيل من الهوية الجزائرية.