حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يعدّ الاستثمار في إعادة تأهيل الفقارات، إلى جانب تطوير محطات تصفية المياه وإعادة استعمال المياه المعالجة، توجهاً استراتيجياً يجمع بين الحفاظ على التراث المائي، وترشيد استغلال الموارد الطبيعية، ودعم التنمية الفلاحية المستدامة، بما ينسجم مع أهداف الدولة في تعزيز الأمن الغذائي.
ويُعتبر نظام السقي “الفقارة”، أحد أقدم طرائق الرَّي في الجزائر، وخاصَّة في المناطق الجنوبية، حيث واجه سكانها القدامى شُحَّ وندرة المياه بهذا النظام الذي لا يزال معتمدا حتى الآن، ويُثبت فعاليته.
وعبر هذا النظام المعتمد منذ مئات السنين، يتم استخراج الماء على اختيار نقطة المنبع أو البئر الأم في أعلى المنحدر، من طرف المختص في تلك المنطقة، والذي يدعى عادة بـ”المعلم أو المقاني” وفق مختصين.

النظام يدوم 24 ساعة ويحتسب كمية المياه المتدفقة

ولدى حفر “النفاذ”، وهي قنوات ماء خاصة تُنجز تحت الأرض، تتخللها مجموعة “الحسيان”، وتعني محليا أيضا الآبار، وعملها هو التنظيف والصيانة على أبعاد متقاربة.
ويرتبط هذا النظام بحسابات لكمية المياه المتدفقة من خلال ثقب يكون بحجم معين، يدوم 24 ساعة، حيث تكون أبعاد تلك الحفر ما بين 9 إلى 27 ملمترا، ليقوم بعدها خبير المنطقة في المجال بإنشاء سجل لكل فقارة على حدى، من أجل تحديد أسماء المستفيدين من مياهها ومقادير استفادتهم.
والتزاما بدورها في ترشيد استهلاك المياه أكد وزير الري، لوناس بوزقزة، أن الحكومة تعتزم إطلاق برنامج إضافي مستقبلاً لاستعادة جميع الفقارات بولاية أدرار، في إطار الحفاظ على هذا الموروث المائي العريق وتعزيز دوره في دعم النشاط الفلاحي الواحي، مع التشديد على ضرورة إشراك أصحاب الفقارات في عمليات الصيانة والمتابعة لضمان استدامة هذه المنشآت التقليدية التي شكلت على مدار قرون شريان الحياة في مناطق الجنوب.

وجاءت تصريحات الوزير خلال زيارة عمل وتفقد قادته إلى ولاية أدرار، أشرف خلالها على تدشين عدد من المشاريع المائية، واطلع على سير البرامج الموجهة لتعزيز الأمن المائي ودعم التنمية الفلاحية بالمنطقة، في إطار الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تحسين تسيير الموارد المائية وتثمينها.

• الفقارات… إرث مائي يحتاج إلى الحماية

وخلال زيارته لبلدية تمنطيط، عاين الوزير مشروع إعادة الاعتبار لفقارة “أنهيل”، حيث تلقى عرضاً مفصلاً حول البرنامج الولائي المخصص لتدعيم وتهيئة الفقارات عبر 15 بلدية بولاية أدرار.
ويستفيد هذا البرنامج من غلاف مالي يقدر بمليار دينار، ويهدف إلى المحافظة على هذا النظام التقليدي الفريد لتوزيع المياه، الذي يعد أحد أبرز مكونات التراث العمراني والفلاحي في منطقة توات.

ويشمل البرنامج شقين أساسيين، يتمثل الأول في تدعيم الفقارات وربطها بآبار عميقة لرفع منسوب تدفق المياه، بينما يخص الشق الثاني عمليات التهيئة وإعادة الاعتبار للفقارات المتضررة، بما يسمح بتحسين مردودها وضمان استمرارية استغلالها.

ومن المنتظر أن يساهم البرنامج في رفع تدفق المياه إلى نحو 47.088 متر مكعب يومياً، وهو ما سيمكن من سقي واحات نخيل تمتد على مساحة تقارب 942 هكتاراً، الأمر الذي سيعزز النشاط الفلاحي ويحافظ على استدامة المنظومة الواحية.

• 85 فقارة معنية بعمليات التأهيل

وبحسب المعطيات المقدمة للوزير، فإن البرنامج يتضمن 38 حصة تشمل إعادة تأهيل 85 فقارة موزعة عبر 15 بلدية بولاية أدرار، في واحدة من أكبر العمليات الموجهة للحفاظ على هذا النظام التقليدي الذي ظل لعقود طويلة يشكل العمود الفقري لتوزيع المياه في الواحات الصحراوية.

هذه المشاريع لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تهدف أيضاً إلى صون أحد أهم عناصر التراث المادي الوطني، باعتبار الفقارات نموذجاً هندسياً فريداً يعكس عبقرية الإنسان الصحراوي في استغلال الموارد المائية بشكل مستدام.

• إشراك أصحاب الفقارات في الصيانة

وشدد لوناس بوزقزة على أهمية إشراك ملاك الفقارات وسكان الواحات في عمليات الصيانة الدورية، باعتبارهم الأقدر على متابعة هذه المنشآت والمحافظة عليها، داعياً إلى تعزيز التنسيق بين المصالح التقنية والمستفيدين لضمان استمرارية المشاريع وتحقيق الأهداف المرجوة منها.
وفي خطوة لاقت ترحيباً واسعاً لدى فلاحي المنطقة، أعلن الوزير أن قطاع الري سيعمل مستقبلاً على تخصيص برنامج إضافي لاستعادة جميع الفقارات المتبقية بالمنطقة، بالنظر إلى أهميتها التاريخية والاقتصادية والبيئية.

وأكد أن الحفاظ على الفقارات يمثل خياراً استراتيجياً، ليس فقط باعتبارها منشآت تراثية، وإنما أيضاً لدورها في دعم الفلاحة الصحراوية والمحافظة على التوازن البيئي واستقرار التجمعات السكانية في الواحات.
وتضمنت زيارة الوزير كذلك تدشين خزان مائي بسعة 2000 متر مكعب ببلدية أدرار، يندرج ضمن المشاريع الرامية إلى تحسين التزود بالمياه الصالحة للشرب وتعزيز قدرات التخزين بالولاية.
كما توجه الوزير إلى مقر ولاية أدرار، حيث استمع إلى عرض شامل حول واقع قطاع الري والمشاريع الجاري تنفيذها، إضافة إلى البرامج المستقبلية الهادفة إلى تطوير البنية التحتية المائية وتحسين خدمات التزويد بالمياه.

• دعم الفلاحة الصحراوية واستدامة الموارد

وتندرج هذه المشاريع ضمن السياسة الوطنية الرامية إلى تعزيز الأمن المائي، وترشيد استغلال الموارد، وتطوير الفلاحة الصحراوية، خاصة في الولايات الجنوبية التي تشكل أحد أهم أقطاب الإنتاج الفلاحي في الجزائر.