حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يشهد قطاع الحبوب في شمال إفريقيا خلال الموسم الزراعي 2025/2026 انتعاشة غير مسبوقة، بعد سنوات اتسمت بتراجع الإنتاج نتيجة موجات الجفاف المتكررة والاضطرابات المناخية التي أثرت بشكل مباشر على مردودية الحقول في معظم بلدان المنطقة.

ويؤكد هذا التحسن أن السياسات الزراعية الجديدة، المدعومة بتحسن الظروف المناخية، بدأت تؤتي ثمارها، خاصة في ظل تكثيف الاستثمارات في القطاع وتوسيع المساحات المزروعة واعتماد تقنيات إنتاج أكثر كفاءة.
وبحسب أحدث تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ينتظر أن يبلغ إجمالي إنتاج القمح في دول شمال إفريقيا نحو 20 مليون طن خلال الموسم الحالي، مسجلاً ارتفاعاً يقدر بـ 15 بالمائة مقارنة بالموسم الماضي، كما يفوق متوسط الإنتاج المسجل خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة تزيد عن 14 بالمائة، وهو ما يعد مؤشراً واضحاً على بداية مرحلة تعافٍ تدريجي لهذا القطاع الحيوي الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في المنطقة.

• الجزائر تحقق تقدماً لافتاً في إنتاج القمح

سجلت الجزائر واحدة من أبرز الزيادات في الإنتاج على مستوى المنطقة، حيث تشير التقديرات إلى بلوغ المحصول الوطني حوالي 3.5 ملايين طن من القمح، بارتفاع يقدر بنحو 16 بالمائة مقارنة بالموسم السابق.
ويعكس هذا التطور النتائج الإيجابية للسياسات التي انتهجتها السلطات العمومية خلال السنوات الأخيرة، والتي ركزت على توسيع المساحات المزروعة، وتشجيع استغلال الأراضي الفلاحية، وتحسين نوعية البذور، ودعم استعمال الأسمدة، إلى جانب تكثيف برامج الإرشاد الزراعي والمرافقة التقنية للفلاحين.
كما ساهمت التساقطات المطرية المسجلة خلال الموسم الفلاحي الحالي في تحسين ظروف نمو المحاصيل، خاصة في الولايات الشمالية والهضاب العليا، الأمر الذي انعكس مباشرة على المردودية والإنتاج.
ويقابل هذا التحسن، بقاء الإنتاج الوطني دون مستوى الاستهلاك المحلي الذي يعرف نمواً متواصلاً، ما يجعل الجزائر تواصل الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من احتياجاتها من القمح اللين الموجه لصناعة الخبز.

• مصر تحقق أكبر محصول قمح في تاريخها

في المقابل، واصلت مصر تعزيز مكانتها كأكبر منتج للقمح في القارة الإفريقية، بعدما سجلت إنتاجاً قياسياً بلغ 10.2 ملايين طن، وهو أعلى محصول تحققه البلاد منذ بدء تسجيل الإحصاءات الزراعية.
ورغم أن نسبة النمو بلغت حوالي 7 بالمائة فقط مقارنة بالموسم الماضي، فإنها جاءت فوق قاعدة إنتاج مرتفعة أصلاً، وهو ما يجعل هذا الإنجاز استثنائياً بكل المقاييس.
ويعود هذا الأداء إلى تنفيذ برنامج وطني لتوسيع المساحات المزروعة، التي بلغت نحو 1.58 مليون هكتار، بزيادة تفوق 250 ألف هكتار مقارنة بالموسم السابق.
كما اعتمدت مصر أصنافاً محسنة ذات إنتاجية مرتفعة، إلى جانب تعميم تقنيات زراعية حديثة، أبرزها التسوية بالليزر، والزراعة على المصاطب، وتحسين إدارة مياه الري، وتطوير خصوبة التربة، وهي عوامل رفعت مردودية الهكتار بنحو 20 بالمائة.
وتم رفع سعر شراء القمح المحلي إلى 2500 جنيه مصري (150 كيلوغراماً)، مقابل أسعار تراوحت بين 2100 و2200 جنيه خلال الموسم السابق، وهو ما وفر حافزاً اقتصادياً قوياً للمزارعين لتوسيع زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.

• تونس وليبيا تواجهان صعوبات مناخية

وعلى مستوى بقية بلدان المنطقة، تشير تقديرات “الفاو” إلى أن كل من تونس وليبيا تراجعاً في المحصول بسبب استمرار نقص الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما انعكس سلباً على مردودية الحقول في العديد من المناطق الزراعية، ليؤكد مرة أخرى أن التغيرات المناخية أصبحت أحد أكبر التحديات التي تواجه الزراعة في شمال إفريقيا.

• الأمن الغذائي يستفيد… لكن الاستيراد سيبقى ضرورياً

ورغم الانتعاش المسجل في الإنتاج الإقليمي، إلا أن المؤشرات تؤكد أن دول شمال إفريقيا ستظل خلال السنوات المقبلة من أكبر مستوردي القمح في العالم، بالنظر إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي وحجم الاستهلاك، الذي يشهد ارتفاعاً مستمراً بفعل النمو الديمغرافي واعتماد القمح كمادة غذائية أساسية.
وتشير البيانات إلى أن متوسط واردات المنطقة خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025 بلغ حوالي 25 مليون طن سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد على الأسواق الدولية لتلبية الطلب الداخلي.
غير أن الزيادة المسجلة خلال الموسم الحالي ستساهم في تقليص جزء من فاتورة الاستيراد، خاصة في ظل الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار الحبوب عالمياً خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن.
كما أن ارتفاع الإنتاج المحلي يمنح الحكومات هامشاً أكبر في إدارة مخزوناتها الاستراتيجية، ويحد نسبياً من تأثير التقلبات التي تعرفها الأسواق العالمية.

• الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية

ويرى خبراء القطاع أن النتائج الإيجابية المحققة هذا الموسم لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إنجازاً ظرفياً مرتبطاً بتحسن الأمطار فقط، بل يجب أن تشكل منطلقاً لتعزيز الاستثمار طويل المدى في تطوير منظومات إنتاج الحبوب.
ويؤكد المختصون أن مواجهة تحديات الأمن الغذائي مستقبلاً تستوجب مواصلة دعم البحث العلمي الزراعي، واستنباط أصناف جديدة مقاومة للجفاف والأمراض، وتوسيع المساحات المسقية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية، فضلاً عن تعميم المكننة الزراعية والفلاحة الدقيقة والرقمنة داخل المستثمرات الفلاحية.
كما يشددون على أهمية تطوير منظومات التخزين والصوامع الحديثة، وتحسين سلاسل النقل والتسويق، بما يسمح بتقليص الخسائر بعد الحصاد ورفع القيمة الاقتصادية للإنتاج الوطني.

• موسم يبث التفاؤل

يعكس موسم 2025/2026 مؤشرات إيجابية بالنسبة لقطاع الحبوب في شمال إفريقيا، حيث استعادت معظم الدول جزءاً مهماً من قدراتها الإنتاجية بعد سنوات صعبة فرضتها التغيرات المناخية. وبالنسبة للجزائر، فإن رفع الإنتاج إلى 3.5 ملايين طن يمثل خطوة مهمة في مسار تعزيز الأمن الغذائي، ويؤكد فعالية البرامج الرامية إلى تطوير شعبة الحبوب وتحسين مردوديتها.