تواصل وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري تنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة لإعادة بعث شعبة اللحوم الحمراء وتطوير الثروة الحيوانية، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للأمن الغذائي في الجزائر، وأحد أهم القطاعات المرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن واستقرار السوق الوطنية للمواد ذات الاستهلاك الواسع.
وردا على سؤال كتابي متعلق بالإجراءات المتخذة من قبل القطاع لتنظيم شعبة اللحوم وتطوير الإنتاج الحيواني، أوضح وزير الفلاحية ياسين وليد أن “القطاع يولي عناية خاصة لتنظيم شعبة اللحوم الحمراء وتطوير الثروة الحيوانية، بالنظر إلى بعدها الاستراتيجي في تحقيق الأمن الغذائي الوطني، وضمان تموين السوق بمنتوج وطني كافي ومنتظم، مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما في فترات الذروة والمناسبات الدينية التي يرتفع فيها الطلب على اللحوم والأضاحي”.
برامج وطنية لتنمية القطيع والمحافظة على السلالات الوطنية
وفي هذا الإطار، يعتمد القطاع على استراتيجية شاملة ترتكز على حماية وتنمية القطيع الوطني بمختلف أنواعه، من خلال برامج موجهة لرفع أعداده وتحسين مردوديته والمحافظة على السلالات الوطنية، مع توفير المرافقة التقنية والمالية للمربين والموالين، وتمكينهم من مختلف آليات الدعم والقروض الميسرة، بما يسمح بتوسيع نشاطهم وتحسين ظروف التربية والتسمين والتكاثر.
ويجدر التذكير بأن الثروة الحيوانية عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعا محسوسا بفعل جملة من العوامل الموضوعية، في مقدمتها التغيرات المناخية وما نتج عنها من تمدد فترات الجفاف، وشح التساقطات، وتدهور المراعي الطبيعية، إلى جانب ارتفاع أسعار الأعلاف، فضلا عن بعض الممارسات السلبية، لاسيما الذبح غير الشرعي للإناث.
وحسب توضيحات الوزير، هذا الأمر أثر مباشرة على وتيرة تجدد القطيع الوطني وتطوره. وأمام هذه الوضعية، كثف القطاع جهوده من أجل رفع الإنتاج الوطني، من خلال مرافقة المربين والموالين وتشجيعهم على تحسين الإنتاج، سواء عبر الدعم التقني والتأطير الميداني أو من خلال تسهيل الولوج إلى التمويل والقروض، فضلا عن مواصلة برامج الدعم الموجهة لتغذية الأنعام، وعلى رأسها توفير الشعير العلفي والنخالة بأسعار مدعمة، والإعفاء من الرسم على القيمة المضافة بالنسبة للذرة والمواد والمنتجات الموجهة لتغذية المواشي والدواجن، بما يخفف من تكاليف الإنتاج ويحد من انعكاساتها على أسعار اللحوم.
عمليات إعادة تأهيل المراعي
كما يولي القطاع أهمية قصوى للمحافظة على صحة القطيع من خلال تنفيذ برامج التغطية الصحية الوطنية القائمة على التلقيح المجاني والمراقبة البيطرية المستمرة، بما يضمن الوقاية من الأمراض الحيوانية وحماية الإنتاج الوطني. وبالموازاة مع ذلك، تتواصل عمليات إعادة تأهيل المراعي، من خلال وضع المراعي المتدهورة تحت الحماية، والحد من الرعي المكثف والعشوائي، إلى جانب غرس النباتات الرعوية وحفر وتهيئة نقاط المياه، بما يضمن توفير الكلا ومياه الشرب للقطيع وتحسين استدامة المنظومة الرعوية.
وتنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى إعادة بعث شعبة اللحوم الحمراء وتعزيز الإنتاج الوطني، تم بتاريخ 12 ديسمبر 2024 تنصيب لجنة وطنية لإعادة بعث الإنتاج الوطني من اللحوم الحمراء، بمشاركة ممثلي المهنيين، لا سيما الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين والغرفة الوطنية للفلاحة، حيث كلفت بدراسة مختلف الاقتراحات والتدابير الكفيلة بتنمية الثروة الحيوانية الوطنية، وتطوير شعبة أغذية الأنعام، وحماية القطيع الوطني بمختلف أنواعه، بما يضمن رفع الإنتاج، وتحقيق الوفرة، وتقليص فاتورة الاستيراد.
وفي هذا السياق، أعدت اللجنة خطة وطنية متكاملة لتطوير شعبة اللحوم الحمراء، ترتكز على عدة محاور أساسية. تشمل تحسين التغذية، وتطوير برامج التكاثر الحيواني، وتعزيز التنظيم المهني، وتعريف القطيع، إلى جانب تدعيم الصحة الحيوانية، بما يسمح ببناء رؤية مستدامة لتطوير هذه الشعبة الحيوية.
كما تجدر الإشارة إلى أنه تم الإمضاء، بتاريخ 25 أوت 2024، على اتفاقية إطار للشراكة بين المؤسسات العمومية التابعة للقطاع، لاسيما مؤسسة تطوير الزراعات الفلاحية الاستراتيجية ومجمع الصناعات الغذائية واللوجستيك، في إطار الإجراءات الاستباقية الرامية إلى ضمان استقرار السوق بالنسبة للمواد الفلاحية ذات الاستهلاك الواسع، وعلى رأسها اللحوم الحمراء.
وستمكن هذه العملية من تكوين مخزون استراتيجي من اللحوم الحمراء والأضاحي، موجه لتموين السوق بمنتج وطني وبيعه بأسعار معقولة على مستوى نقاط البيع التابعة للقطاع، بما يساهم في تقليص المضاربة وضبط الأسعار، خاصة خلال المواسم التي تعرف ارتفاعا في الطلب.
وبالموازاة مع ذلك، قامت الشركة الجزائرية للحوم الحمراء بإدراج برنامج خاص لتشكيل قطيع موجه لعيد الأضحى، إلى جانب مواصلة توفير اللحوم الحمراء المستوردة عند الحاجة، بما يضمن الوفرة واستقرار الأسعار بصفة مستدامة.
وفيما يتعلق بتأمين تموين السوق، اتخذ القطاع جملة من التدابير لتأطير عمليات الاستيراد والتكفل بوفرة هذه المواد بالتنسيق مع مصالح قطاع التجارة، من خلال منح التراخيص للمتعاملين الاقتصاديين لاستيراد اللحوم الحمراء الطازجة وعجول التسمين، والأبقار، مع مرافقتهم عبر إبرام الشهادات الصحية اللازمة مع الدول المصدرة، تفاديا لأي عراقيل قد تؤثر على انسيابية التموين.
كما تم اعتماد إجراء استيراد الأغنام بمناسبة عيد الأضحى كحل استعجالي يهدف إلى تمكين المواطنين من اقتناء الأضاحي بأسعار مدروسة، والحفاظ في الآن ذاته على القطيع الوطني من الاستنزاف، وهو إجراء معمول به في عدد من الدول الإسلامية ويعد من الآليات الناجعة لضمان التوازن بين تلبية الطلب الظرفي وحماية الثروة الحيوانية الوطنية.
وأكد الوزير أن جميع هذه التدابير تندرج ضمن رؤية متكاملة قوامها رفع الإنتاج الوطني، حماية القطيع ضمان وفرة اللحوم، استقرار الأسعار، وتقليص اللجوء إلى الاستيراد تدريجيا، بما يعزز الأمن الغذائي ويحفظ القدرة الشرائية للمواطنين.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..