تزايد نحو شعبة الزيتون باعتبارها واحدة من أكثر الشعب الفلاحية قدرة على المساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات، في ظل الطلب العالمي المتزايد على زيت الزيتون والمنتجات المتوسطية ذات الجودة العالية. ورغم ما تمتلكه الجزائر من مؤهلات طبيعية ومساحات شاسعة وأعداد كبيرة من أشجار الزيتون، فإن هذه الثروة لا تزال دون مستوى الاستغلال الاقتصادي الذي يسمح لها بالتحول إلى رافعة حقيقية للنمو والتنمية المستدامة.
هذا ما خلصت إليه دراسة علمية حديثة بعنوان “زراعة الزيتون في الجزائر في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية”، نشرت في مجلة “دراسات جورنال إيكونوميك ايسو” ، وأعدها الباحثون سارة زرقيني، نبيل قندي وواري مرادي، حيث أكدت أن شعبة الزيتون لا تمثل نشاطا فلاحيا تقليديا فحسب، وإنما قطاعا استراتيجيا قادرا على الإسهام في خلق الثروة، وتوفير مناصب الشغل، ودعم الأمن الغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، إذا ما حظيت بإصلاحات هيكلية واستثمارات نوعية.
وأوضحت الدراسة أن أغلب الدول المتوسطية جعلت من زراعة الزيتون أحد المحاور الرئيسية لسياساتها الفلاحية والتنموية، بالنظر إلى قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية، ومساهمتها في حماية التربة والحد من التصحر، فضلا عن قيمتها الاقتصادية المرتفعة في الأسواق الدولية.
• أكثر من 400 ألف هكتار و61 مليون شجرة
وأبرزت الدراسة أن الجزائر تمتلك قاعدة إنتاجية مهمة، إذ تغطي بساتين الزيتون أكثر من 400 ألف هكتار، وتضم ما يقارب 61 مليون شجرة زيتون موزعة عبر مختلف الولايات، خاصة في مناطق القبائل والهضاب العليا وبعض الولايات الغربية والجنوبية التي شهدت توسعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة بفضل برامج الدعم العمومي.
كما ساهمت مشاريع التشجير والتوسع الفلاحي في رفع المساحات المغروسة تدريجيا خلال العقدين الماضيين، إلا أن هذا التطور الكمي لم ينعكس بنفس الوتيرة على الإنتاجية أو مردودية الهكتار، حيث لا تزال المردودات أقل من المعدلات المسجلة في العديد من الدول المتوسطية المنافسة.
ويرجع الباحثون ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها اعتماد جزء كبير من المنتجين على الأساليب التقليدية، وضعف المكننة، ونقص شبكات السقي الحديثة، وغياب التأطير التقني الكافي، فضلا عن محدودية عمليات التحويل والتسويق.
كما تشير الدراسة إلى أن أغلب المستثمرات الزيتونية ما تزال ذات طابع عائلي وموسمي، الأمر الذي يقلص من مساهمتها في خلق مناصب العمل الدائمة وفي رفع القيمة المضافة للقطاع.
واعتمد الباحثون في تحليلهم على نموذج اقتصادي قياسي “أرديال” لدراسة تطور الشعبة خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2022، مع ربط الإنتاج الزيتوني بمجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأظهرت النتائج وجود علاقة طويلة المدى بين تطور إنتاج الزيتون وتحسن القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، ما يؤكد مساهمة هذه الشعبة في تعزيز النمو الاقتصادي وتنشيط الاقتصاد الريفي.
كما كشفت الدراسة عن وجود ارتباط إيجابي بين نشاط زراعة الزيتون وترشيد استعمال الموارد المائية، باعتبار أن هذه الزراعة تعد من أكثر الزراعات قدرة على التأقلم مع الظروف المناخية الصعبة مقارنة بعدد من المحاصيل الأخرى.
وفي المقابل، فإن مساهمة الشعبة في تحسين التشغيل ورفع مؤشرات التنمية البشرية ما تزال محدودة نسبيا، بسبب ضعف التصنيع الغذائي المرتبط بزيت الزيتون، وقلة الاستثمارات في الصناعات التحويلية التي يمكنها خلق آلاف مناصب الشغل الجديدة.
وأكدت الدراسة أن الأسواق العالمية تعرف منذ سنوات ارتفاعا متواصلا في الطلب على زيت الزيتون، مدفوعا بتزايد الإقبال على الأنظمة الغذائية الصحية، وارتفاع الوعي بالقيمة الغذائية لهذا المنتج، إضافة إلى استخداماته الواسعة في الصناعات الغذائية والتجميلية والدوائية.
وترى الدراسة أن الجزائر تمتلك فرصة حقيقية لاقتحام الأسواق الدولية ورفع صادراتها من زيت الزيتون، غير أن ذلك يبقى رهينا بتحسين جودة الإنتاج، واعتماد المعايير الدولية، والحصول على شهادات المطابقة والجودة، وتطوير أساليب التعبئة والتغليف والتسويق.
كما شدد الباحثون على ضرورة الانتقال من تصدير المنتجات الخام إلى تسويق منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة تحمل علامات تجارية جزائرية قادرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية والآسيوية والخليجية.
ورغم وفرة المادة الأولية، تشير الدراسة إلى أن سلسلة القيمة في شعبة الزيتون ما تزال تعاني عدة اختلالات، أهمها ضعف قدرات التحويل الصناعي، وغياب منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج والعصر والتعبئة والتخزين والتوزيع والتصدير.
وترى الدراسة أن تطوير المعاصر العصرية، وإنشاء وحدات حديثة للتعبئة والتغليف، وتحسين شبكات التخزين، واعتماد وسائل النقل المطابقة للمعايير الصحية، كلها عوامل من شأنها رفع القيمة الاقتصادية للمنتج الجزائري.
كما دعت إلى تشجيع الاستثمار الخاص في الصناعات المرتبطة بالزيتون، بما في ذلك تثمين المنتجات الثانوية كمخلفات العصر والنوى والأوراق، واستغلالها في إنتاج الطاقة الحيوية أو الأعلاف أو الأسمدة العضوية، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري.
• الزيتون حليف البيئة ومواجهة التغيرات المناخية
ولم تقتصر الدراسة على الجوانب الاقتصادية، بل أبرزت أيضا الأهمية البيئية لشجرة الزيتون باعتبارها من أكثر الأشجار تكيفا مع المناخ المتوسطي وشبه الجاف، حيث تساهم في الحد من انجراف التربة، ومكافحة التصحر، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتحسين خصوبة الأراضي الزراعية.
لكن الباحثين حذروا في المقابل من أن التوسع غير المدروس في الزراعة المكثفة قد يؤدي إلى ارتفاع استهلاك المبيدات والأسمدة الكيميائية واستنزاف الموارد المائية، وهو ما يستدعي اعتماد ممارسات زراعية مستدامة تقوم على السقي العقلاني، وترشيد استخدام المدخلات الفلاحية، والحفاظ على التوازن البيئي.
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات العملية، أبرزها، إعادة هيكلة شعبة الزيتون وتنظيمها وفق رؤية اقتصادية حديثة، تحديث المستثمرات الفلاحية وتوسيع استخدام المكننة والتقنيات الذكية, تحسين مردودية الأشجار ورفع إنتاجية الهكتار, تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بزيت الزيتون, تشجيع الحصول على شهادات الجودة والمطابقة الدولية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..