تتواصل الإصلاحات الحكومية الرامية إلى عصرنة النشاط الزراعي وتحسين ظروف ممارسة المهنة، من خلال جملة من التدابير التي تستهدف الفلاحين والمستثمرين على حد سواء وعلى رأسها تعديل بطاقة الفلاح.
وتندرج الإصلاحات الحالية ضمن استراتيجية وطنية ترمي إلى توفير بيئة مهنية أكثر استقرارا ووضوحا للفلاحين، عبر مراجعة عدد من القوانين والتنظيمات المتعلقة بالنشاط الفلاحي. وأشار مسؤولي القطاع إلى أن الدولة تعمل على تذليل العراقيل التي تواجه المهنيين، مع التركيز على تبسيط الإجراءات الإدارية وتوفير مناخ مشجع على الاستثمار والإنتاج.
كما أن السلطات العمومية تسعى إلى تعزيز مساهمة الفلاحة في التنمية الاقتصادية، بالنظر إلى الدور المتزايد الذي أصبح يلعبه هذا القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
• الحماية الاجتماعية في صلب الاهتمامات
ومن بين أبرز المحاور التي تركز عليها الإصلاحات الجديدة، مسألة الحماية الاجتماعية للفلاحين، حيث شدد وزير الفلاحة ياسين وليد في وقت سابق على أهمية تمكين العاملين في المجال الزراعي من الاستفادة من مختلف آليات الضمان والتغطية الاجتماعية، بما يضمن تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
في باب الحماية الاجتماعية، أشار الوزير إلى أن من بين 2.3 مليون فلاح مسجل، لا يتمتع بالضمان الاجتماعي سوى 9 آلاف منهم فقط. ولمعالجة هذا الخلل، أُطلق اشتراك تأميني بـ1035 دينار شهرياً ضمن تعريفة تنافسية عبر الصندوق الوطني للتأمين الاجتماعي لغير الأجراء.
ويرى متابعون أن إدماج الفلاحين ضمن منظومة الحماية الاجتماعية يمثل خطوة مهمة نحو استقرار النشاط الزراعي، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين والناشطين في المناطق الريفية الذين ظلوا لسنوات يواجهون صعوبات مرتبطة بالتصريح بالنشاط والاستفادة من الامتيازات الاجتماعية.
توسيع الاعتراف الرسمي بالمهنة وتحسين التكفل الاجتماعي بأصحابها
ومن أبرز النقاط التي أثارت اهتمام الفاعلين في القطاع، إعلان مراجعة النصوص التنظيمية الخاصة بمنح صفة “الفلاح”، حيث أوضح وليد أن التعديلات الجديدة أصبحت تربط هذه الصفة بممارسة النشاط الفلاحي الفعلي، وليس بمجرد ملكية الأراضي الزراعية.
كما أعلن عن إعادة النظر في معايير منح بطاقة الفلاح، بهدف توسيع الاعتراف الرسمي بالمهنة وتحسين التكفل الاجتماعي بأصحابها، مع التأكيد على توجه الوزارة نحو تطوير الزراعة التعاقدية لتخليص الفلاح من مخاطر تقلبات الأسعار وتوسيعها لتشمل مختلف الشعب الزراعية.
ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه تحول مهم في فلسفة تنظيم القطاع، إذ يسمح بإنصاف عدد كبير من العاملين في المجال الزراعي الذين كانوا محرومين من بعض برامج الدعم بسبب عدم امتلاكهم للعقار الفلاحي، رغم نشاطهم اليومي في الإنتاج والاستغلال الزراعي.
وستفتح إعادة التعريف القانوني للفلاح الباب أمام فئات أوسع للاستفادة من برامج التمويل والتكوين والدعم التقني، في خطوة تعكس رغبة السلطات العمومية في توسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز ديناميكية التنمية الزراعية.
ومن جهته، أكد وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، خلال يوم إعلامي رفقة وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، أن قطاع الفلاحة، يشهد تحولات مهمة خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع إدماج الرقمنة وتحرر الفلاح من القيود الإدارية التقليدية. وأبرز أن هذا التوجه يأتي ضمن الحرص الكبير الذي يوليه رئيس الجمهورية لقطاع الفلاحة، باعتباره قطاعًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية للبلاد.
كما أشار سايحي إلى أن الفلاحة تمثل 15% من المنتوج المحلي الخام، وهو رقم يعكس الوزن المتزايد للقطاع داخل الاقتصاد الوطني، ويفرض، في الوقت نفسه، مواكبة هذا التطور بمنظومة حماية اجتماعية عادلة وشاملة لفائدة الفلاحين وأسرهم. واعتبر الوزير أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تُفهم على أنها عبء مرتبط بهامش الربح، بل كركيزة مرافقة للإنتاج والتنمية، لأن استقرار المنتج صحيًا واجتماعيًا ومهنيًا ينعكس مباشرة على استمرارية النشاط، وعلى قدرة القطاع على تلبية حاجيات السوق الوطنية.
شدد وزير العمل على ضرورة تمكين الفلاح من ظروف اجتماعية وصحية ملائمة، تشمل التقاعد والتكفل الصحي. بما يضمن انتقال الحماية الاجتماعية من خطاب عام إلى حقوق ملموسة داخل الوسط الفلاحي. وفي السياق ذاته، اعتبر أن الرقمنة أصبحت أداة أساسية لتبسيط الإجراءات وتقريب الخدمات من الفلاحين. عبر تطبيقات رقمية سهلة الولوج بدل النماذج الإدارية التقليدية التي تجاوزها الزمن، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تقتضي الانتقال من مرحلة التوصيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
نحو إنشاء لجان عمل مشتركة لتسريع إدماج الفلاحين في الضمان الاجتماعي
ودعا سايحي إلى إنشاء لجان عمل مشتركة تُعنى بتسهيل الإجراءات الإدارية، وتسريع إدماج الفلاحين في منظومة الضمان الاجتماعي. وتجاوز البيروقراطية نهائيًا عبر تعزيز الإدارة الرقمية.
وتتزامن هذه التحركات الحكومية مع انتعاش يشهده قطاع الفلاحة على ضوء الإمكانات الهائلة التي تزخر بها مناطق الجنوب الكبير، حيث تراهن الدولة بشكل متزايد على تطوير الزراعة الصحراوية وتقديم تسهيلات إضافية للفلاحين لتحقيق الأمن الغذائي وتنويع الإنتاج الوطني.
وتم تحقيق “طفرة كبيرة” في مجال الزراعة الصحراوية خلال السنوات الأخيرة، اذ أن المساحات المزروعة في الجنوب سجلت ارتفاعا بنسبة 40 بالمائة خلال الموسم الأخير.
واعتبر الوزير وليد أن هذه النتائج تعكس نجاح السياسات الحكومية المعتمدة في تشجيع الاستثمار الفلاحي واستصلاح الأراضي، خاصة مع توفير جملة من التسهيلات المتعلقة بالعقار الفلاحي والتمويل وتحسين البنية التحتية المرتبطة بالنشاط الزراعي.
وتواصل السلطات العمومية جهودها لاستقطاب المستثمرين الوطنيين والأجانب، خصوصا في مجالات الزراعات الاستراتيجية والصناعات التحويلية الغذائية، بما يساهم في خلق الثروة ومناصب الشغل.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..