حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

تشهد تربية الحلزون في الجزائر، أو ما يُعرف علميًا بـ” الهيليسيكولتور” تحولًا تدريجيًا لافتًا من نشاط هامشي محدود الانتشار إلى شعبة فلاحية ناشئة تستقطب اهتمام الباحثين والمهنيين والمستثمرين، في ظل التوجه الوطني نحو تنويع مصادر الإنتاج الفلاحي والبحث عن بدائل اقتصادية غير تقليدية.
ويأتي هذا الاهتمام المتزايد نتيجة تراكم دراسات علمية حديثة وتجارب ميدانية أثبتت أن هذا النشاط، رغم بساطة أدواته، يمتلك مقومات اقتصادية حقيقية يمكن أن تجعله قطاعًا مربحًا، خاصة إذا ما تم تطويره ضمن إطار منظم يعتمد على التقنيات الحديثة في التربية والتحويل والتسويق.

 الهيليسيكولتور في الجزائر بين النشاط الهامشي والقطاع الواعد

عرفت تربية الحلزون في الجزائر خلال عقود طويلة طابعًا موسميًا محدودًا، حيث كانت تعتمد أساسًا على الجمع من الطبيعة أو الاستهلاك التقليدي في بعض المناطق الريفية، دون وجود هيكلة اقتصادية واضحة أو سوق منظمة.
غير أن الوضع بدأ يتغير تدريجيًا مع بروز وحدات إنتاج صغيرة ومبادرات استثمارية فردية، إلى جانب اهتمام متزايد من طرف الباحثين في المجال الفلاحي، الذين يرون في هذه الشعبة فرصة حقيقية لتنويع الإنتاج الحيواني وخلق قيمة مضافة جديدة داخل الاقتصاد الوطني.

 دراسة علمية تكشف الإمكانات الإنتاجية والاقتصادية

في هذا السياق، جاءت دراسة علمية موسعة بعنوان «تطوير تربية الحلزون في الجزائر: تقنيات التربية والجدوى الاقتصادية»، أنجزها الباحث بن علال لزهر تحت إشراف الأستاذ سلاّمة عبد الجليل، على مستوى مزرعة نموذجية لإنتاج البذور بالحامة بوزيان في ولاية قسنطينة.
وقد خلصت الدراسة إلى أن هذا النشاط يمتلك إمكانات اقتصادية معتبرة، خاصة في ظل اعتماد تقنيات تربية حديثة تعتمد على الدمج بين الأنظمة الداخلية والخارجية، ما يسمح بالتحكم الدقيق في مراحل النمو والتكاثر، وبالتالي تحسين جودة الإنتاج بشكل ملحوظ مقارنة بالحلزون البري.
كما أبرزت الدراسة أن هذا النوع من التربية يتيح إمكانية إنتاج منتوج أكثر استقرارًا من حيث الجودة والكمية، وهو ما يعزز فرص إدماجه في سلاسل الإنتاج الفلاحي الحديثة.

القيمة الغذائية للحلزون

تؤكد المعطيات العلمية أن لحم الحلزون يُعد مصدرًا غذائيًا عالي الجودة، حيث يحتوي على حوالي 16% بروتين مع نسبة منخفضة من الدهون، مما يجعله غذاءً صحيًا يمكن إدراجه ضمن الأنظمة الغذائية المتوازنة.
وعلى المستوى الدولي، يُعتبر الحلزون منتجًا غذائيًا ذا قيمة مرتفعة، خاصة في الأسواق الأوروبية والمتوسطية، حيث يدخل ضمن المأكولات الفاخرة ويباع بأسعار معتبرة، مع وجود طلب مستمر عليه في المطاعم المتخصصة.
ورغم هذا الطلب العالمي، لا يزال استهلاكه في الجزائر محدودًا، وهو ما يفسره ضعف الثقافة الغذائية المرتبطة به، إضافة إلى غياب سوق منظمة قادرة على تثمين هذا المنتوج بشكل فعلي.

تنوع الأنواع الملائمة للظروف المناخية الجزائرية

تُبرز الدراسة العلمية وجود عدة أنواع من الحلزون التي تتكيف بشكل جيد مع المناخ الجزائري، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير تربية متنوعة حسب المناطق والقدرات الإنتاجية.
ومن أبرز هذه الأنواع: الحلزون الصغير الرمادي والحلزون الكبير الرمادي وحلزون بورغون، إضافة إلى حلزون مورغييت.
وتتميز هذه الأنواع بخصائص مختلفة، حيث يُعرف بعضها بسرعة النمو، بينما يتميز البعض الآخر بقدرة عالية على التكاثر أو مقاومة الظروف البيئية القاسية، ما يجعلها مناسبة لمشاريع تربية متنوعة من حيث الحجم والاستثمار.

تعتمد تربية الحلزون الحديثة على ثلاثة أنظمة رئيسية تختلف من حيث التكلفة والإنتاجية أولها النظام الخارجي كتربية تقليدية مرتبطة بالمناخ و يعتمد هذا النظام على المساحات المفتوحة والبيئة الطبيعية، ويتميز بانخفاض تكلفته، لكنه يبقى محدود الإنتاجية بسبب ارتباطه المباشر بالظروف المناخية وتغيراتها الموسمية والنظام الداخلي كنموذج إنتاج مكثف عالي المردود و يعتمد على منشآت مغلقة مزودة بأنظمة تحكم في الحرارة والرطوبة والإضاءة، ما يسمح برفع مردودية الإنتاج إلى مستويات قد تتجاوز 80%، مع ضمان استقرار أفضل في الجودة و النظام المختلط كخيار توازني بين الكلفة والإنتاج و يجمع هذا النظام بين التربية الداخلية والخارجية، ويُعتبر الأكثر استعمالًا في المشاريع الحديثة، لأنه يوازن بين تقليل التكاليف وتحسين الإنتاجية بشكل تدريجي.

منتجات ثانوية من تربية الحلزون

لا تقتصر تربية الحلزون على إنتاج اللحم فقط، بل تشمل أيضًا منتجات ثانوية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، من أبرزها كافيار الحلزون، الذي يُعد منتجًا غذائيًا فاخرًا يدخل ضمن المأكولات الراقية في بعض الأسواق العالمية. كما يُستخرج من الحلزون مخاط طبيعي يُستخدم على نطاق واسع في الصناعات التجميلية، نظرًا لاحتوائه على مواد فعالة مثل الكولاجين والإيلاستين والألانتوين، والتي تدخل في تركيبة مستحضرات العناية بالبشرة والعلاجات الجلدية. ويُعتبر هذا المجال من أكثر القطاعات نموًا عالميًا، حيث يشهد طلبًا متزايدًا على منتجات التجميل الطبيعية ذات الأصل الحيواني.

 الجدوى الاقتصادية لمشاريع تربية الحلزون

تقدم الدراسة نموذجًا اقتصاديًا لمشروع صغير على مساحة تقدر بـ160 مترًا مربعًا، بكثافة إنتاج تصل إلى 300 حلزون في المتر المربع، ما يسمح بإنتاج سنوي يقدر بحوالي 700 كغ بعد احتساب نسبة النفوق الطبيعية. وباحتساب سعر وسطي يقدر بـ700 دينار للكيلوغرام، يمكن أن يصل رقم الأعمال السنوي إلى حوالي 480 ألف دينار، مع إمكانية تحقيق أرباح صافية تتجاوز 213 ألف دينار في السنة الأولى فقط. وتشير الدراسة إلى أن هذه الأرباح مرشحة للارتفاع مع مرور السنوات، نتيجة انخفاض التكاليف الأولية وتحسن تقنيات الإنتاج والتسويق.
رغم الإمكانات الكبيرة، لا يزال قطاع تربية الحلزون يواجه عدة تحديات تحول دون تطوره بالشكل المطلوب، أبرزها غياب سوق وطنية منظمة لتسويق المنتوج ضعف قنوات التوزيع والتسويق محدودية الاستهلاك المحلي نقص التكوين التقني المتخصص وغياب التحويل الصناعي للمنتجات.
هذه العوامل تجعل من القطاع نشاطًا ناشئًا يحتاج إلى دعم مؤسساتي وتنظيمي واضح.
يرى الباحثون والخبراء أن تربية الحلزون يمكن أن تتحول إلى شعبة فلاحية استراتيجية في الجزائر، إذا ما توفرت شروط أساسية تتعلق بالتأطير والدعم والتنظيم. ويشمل ذلك توفير تكوين متخصص للمربين، وتشجيع الاستثمار الشبابي، وتنظيم قنوات التسويق، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالحلزون، إضافة إلى فتح المجال أمام التصدير نحو الأسواق الخارجية. وفي ظل التوجه الوطني نحو تنويع الاقتصاد الفلاحي، يُنظر إلى هذه الشعبة باعتبارها فرصة واعدة لخلق مناصب شغل جديدة، خاصة في المناطق الريفية وشبه الصحراوية.
تؤكد المعطيات العلمية والاقتصادية أن تربية الحلزون في الجزائر لم تعد مجرد نشاط ثانوي، بل أصبحت شعبة فلاحية ناشئة تحمل إمكانات حقيقية للنمو والتطور.