تُعد سلالة “تعظميت” من أبرز النماذج التي تجسد التقاء المعرفة البيطرية بالواقع الميداني في تربية المواشي بالجزائر، فقد ظهرت هذه السلالة سنة 1919 داخل مزرعة نموذجية بمنطقة تعظيمت في ولاية الجلفة، في سياق توجه علمي مبكر نحو تحسين السلالات المحلية ورفع إنتاجيتها.
وقد اعتمد هذا المشروع على تهجين مدروس بين سلالة “أولاد جلال” الجزائرية، المعروفة بقدرتها الكبيرة على التأقلم وجودة لحومها، وسلالة “الميرينوس” الإسبانية التي تُصنف عالميًا ضمن أفضل سلالات الصوف.
هذا التهجين لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل شكل بداية لمسار طويل من العمل على تطوير سلالة قادرة على الجمع بين خصائص إنتاجية متعددة، في بيئة تتسم بندرة الموارد وتقلب المناخ. ومنذ ذلك الحين، أصبحت “تعظميت” تمثل نموذجًا للسلالات المحسّنة التي نشأت في الجزائر، بفضل جهود بشرية وعلمية محلية.
خصائص مورفولوجية متكاملة تعكس قوة التهجين
تتميز سلالة “تعظميت” ببنية جسدية قوية ومتناسقة، حيث تجمع بين الطول والصلابة، ما يمنحها قدرة على التنقل لمسافات طويلة في المراعي المفتوحة. كما أن هيكلها العظمي المتين يساعدها على تحمل الظروف البيئية الصعبة، خاصة في مناطق الهضاب العليا التي تعرف تقلبات مناخية حادة.
أما الصوف، فيُعد من أبرز نقاط قوة هذه السلالة، حيث يتميز بالكثافة والنعومة، وهو ما ورثته عن سلالة “الميرينوس”. ويصل إنتاج الصوف لدى النعاج إلى حوالي 5 كيلوغرامات سنويًا، بينما قد يبلغ لدى الكباش نحو 15 كيلوغرامًا، وهو رقم مهم اقتصاديًا، خاصة في ظل تزايد الاهتمام بالصناعات التقليدية المرتبطة بالصوف.
ويغلب على لون هذه السلالة الطابع الأبيض، مع بعض التدرجات الخفيفة، ما يعكس استقرارًا نسبيًا في الصفات الوراثية، ويجعلها سهلة التمييز عن غيرها من السلالات.
جودة لحمية عالية وقيمة غذائية مضافة
إلى جانب إنتاج الصوف، تُعرف “تعظميت” بجودة لحومها، التي تتميز بطراوتها وتوازن نسبة الدهون فيها، ما يجعلها مرغوبة لدى المستهلكين، خاصة في الأسواق المحلية والمناسبات الدينية مثل عيد الأضحى. ويُجمع المختصون على أن هذه السلالة تقدم لحمًا ذا قيمة غذائية عالية، يجمع بين الطعم الجيد والقيمة الصحية.
كما أن حليبها يُعد من بين الأفضل مقارنة ببعض السلالات الأخرى، حيث يحتوي على نسبة دهن تصل إلى حوالي 7%، ما يجعله مناسبًا لإنتاج مشتقات الحليب التقليدية، مثل الزبدة والجبن، وهو ما يفتح المجال أمام استغلال هذه السلالة في أنظمة إنتاج متعددة.
قدرة على التأقلم تجعلها سلالة اقتصادية بامتياز
من أبرز مزايا سلالة “تعظميت” قدرتها الكبيرة على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية، سواء من حيث درجات الحرارة المرتفعة صيفًا أو البرودة الشديدة شتاءً. كما أنها قادرة على الاستفادة من المراعي الطبيعية محدودة الموارد، دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الأعلاف المركزة.
هذا العامل يجعلها سلالة اقتصادية بامتياز، خاصة بالنسبة للمربين في المناطق الريفية وشبه الجافة، حيث تمثل تقليل التكاليف أحد أهم عناصر النجاح في النشاط الفلاحي. كما أن قدرتها على مقاومة بعض الأمراض مقارنة بسلالات أخرى يعزز من قيمتها في منظومة الإنتاج الحيواني.
دور استراتيجي في برامج تحسين السلالات
لم تقتصر أهمية “تعظميت” على إنتاجها المباشر، بل امتدت إلى دورها في برامج التحسين الوراثي للسلالات المحلية. فقد استُخدمت في عدة تجارب تهجين بهدف نقل صفاتها المميزة، خاصة فيما يتعلق بالصوف وجودة اللحم، إلى سلالات أخرى أقل إنتاجية.
وقد ساهمت هذه السلالة في إثراء الرصيد الجيني الوطني، وأصبحت مرجعًا في الدراسات البيطرية المتعلقة بتطوير القطيع، ما يعكس أهميتها ليس فقط كمورد اقتصادي، بل أيضًا كأداة علمية في تحسين الإنتاج الحيواني.
تحديات متعددة
كما أن التغيرات المناخية، وتدهور المراعي، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على نشاط تربية المواشي، وقد تدفع بعض المربين إلى التخلي عن هذه السلالة لصالح خيارات أخرى أكثر مردودية على المدى القصير.
ويُضاف إلى ذلك غياب إحصائيات دقيقة حول أعداد هذه السلالة، ما يصعّب من عملية التخطيط ووضع سياسات فعالة للحفاظ عليها.
نحو إعادة الاعتبار لسلالة “تعظميت” ضمن رؤية فلاحية مستدامة
إن إعادة الاعتبار لسلالة “تعظميت” يتطلب تبني رؤية شاملة تقوم على تثمين الموارد الوراثية المحلية، من خلال دعم المربين، وتشجيع البحث العلمي، وإنشاء برامج خاصة للحفاظ على السلالات.
كما يمكن إدماج هذه السلالة ضمن سلاسل القيمة الفلاحية، خاصة في مجالات الصناعات التحويلية المرتبطة بالصوف واللحوم، ما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية المحلية وخلق مناصب شغل في المناطق الريفية.
ومن المهم أيضًا العمل على إنشاء بنوك جينات للحفاظ على الخصائص الوراثية لهذه السلالة، إلى جانب تطوير برامج التلقيح الاصطناعي والتحسين الوراثي، بما يضمن استمراريتها على المدى الطويل.
سلالة تستحق الاستثمار
تمثل سلالة “تعظميت” أكثر من مجرد نوع من الأغنام، فهي جزء من الذاكرة الفلاحية الجزائرية، وشاهد على جهود علمية مبكرة في تطوير الإنتاج الحيواني. وهي اليوم، رغم التحديات، تحمل إمكانيات كبيرة يمكن استثمارها في بناء قطاع فلاحي أكثر تنوعًا واستدامة.
وبين جودة اللحم، وغزارة الصوف، والقدرة على التأقلم، تظل “تعظميت” واحدة من السلالات التي تستحق أن تُدرج ضمن أولويات السياسات الفلاحية، ليس فقط للحفاظ عليها، بل لتحويلها إلى رافد حقيقي للتنمية الاقتصادية في الجزائر.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..