حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تُعد منطقة داغوسة التابعة لبلدية البسباس بولاية الطارف واحدة من المناطق الفلاحية التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تفرض حضورها في إنتاج التفاح، مستفيدة من مؤهلات طبيعية استثنائية جعلت منها بيئة ملائمة لزراعة الأشجار المثمرة.
وبين الأراضي الخصبة، والمناخ المتوسطي الرطب، ووفرة الموارد المائية، نجح فلاحو المنطقة في تطوير بساتين تنتج ثماراً تتميز بالجودة العالية والطعم المميز، لتصبح داغوسة اسماً يرتبط بالإنتاج الفلاحي النوعي في أقصى شرق الجزائر.
ورغم أن ولاية الطارف تشتهر أساساً بإنتاج الحمضيات والخضر والزراعات الكبرى، إلا أن زراعة التفاح بدأت تحتل مكانة متقدمة ضمن الأنشطة الفلاحية التي تشهد توسعاً تدريجياً، بفضل توجه العديد من المستثمرين والفلاحين نحو تنويع الإنتاج واستغلال الخصائص المناخية التي تتمتع بها المنطقة.

• أسرار نجاح بساتين داغوسة

يرجع نجاح زراعة التفاح في داغوسة إلى مجموعة من العوامل الطبيعية التي تجتمع في المنطقة بصورة قلما تتوفر في أماكن أخرى. فالتربة الزراعية الغنية بالمواد العضوية توفر بيئة مناسبة لنمو الأشجار، بينما يساعد المناخ المعتدل والرطوبة القادمة من البحر الأبيض المتوسط على تحسين جودة الثمار وزيادة نسبة السكريات الطبيعية فيها.
كما تستفيد البساتين من التساقطات المطرية التي تعرفها ولاية الطارف، إلى جانب توفر المياه الجوفية ومياه السقي، وهو ما يسمح للأشجار بالحفاظ على نمو منتظم حتى خلال الفترات التي ترتفع فيها درجات الحرارة.
ويؤكد مختصون أن هذه الظروف الطبيعية تمنح التفاح المنتج في داغوسة خصائص مميزة من حيث اللون والحجم والصلابة والعصارة، وهي مواصفات يبحث عنها المستهلك الجزائري في الأسواق.

• خبرة الفلاحين تصنع الفارق

إلى جانب العوامل الطبيعية، تلعب خبرة الفلاحين دوراً أساسياً في نجاح هذه الشعبة. فقد راكم منتجو المنطقة تجارب طويلة في العناية بالأشجار، بداية من اختيار الشتلات والأصناف المناسبة، مروراً بعمليات التقليم والتسميد والسقي، وصولاً إلى الجني والتوضيب وفق معايير تحافظ على جودة الثمار.
ويحرص الفلاحون على تطبيق مختلف العمليات التقنية في مواعيدها المناسبة، مع متابعة مستمرة للبساتين من أجل الوقاية من الأمراض والآفات الزراعية، وهو ما ينعكس إيجاباً على نوعية الإنتاج والمردودية.
كما بدأت العديد من المستثمرات الفلاحية تعتمد وسائل حديثة في الري والتسميد، الأمر الذي ساهم في ترشيد استهلاك المياه وتحسين إنتاجية الأشجار، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تفرض تحديات جديدة على القطاع الفلاحي.
يشتهر تفاح داغوسة بمظهره الجذاب، إذ يتميز بلونه اللامع وقشرته المتماسكة، إضافة إلى مذاقه الحلو المتوازن الذي يجمع بين نسبة مناسبة من السكريات والحموضة الطبيعية، وهو ما يجعله من الأصناف المطلوبة لدى المستهلكين.
كما يتميز بقوامه الصلب الذي يساعد على تحمله لعمليات النقل والتخزين دون أن يفقد جودته، وهي ميزة مهمة بالنسبة لتجار الجملة والتجزئة.
ولا يقتصر استعمال هذا المنتوج على الاستهلاك الطازج فقط، بل يدخل أيضاً في صناعة العصائر الطبيعية والمربى والحلويات والمنتجات الغذائية المختلفة، الأمر الذي يرفع من قيمته الاقتصادية ويفتح أمامه آفاقاً أوسع للتسويق.

• مورد اقتصادي مهم لفلاحي المنطقة

تشكل زراعة التفاح مصدراً مهماً للدخل بالنسبة لعشرات العائلات الفلاحية في داغوسة والمناطق المجاورة، حيث توفر فرص عمل موسمية خلال مراحل الجني والفرز والتوضيب والنقل، فضلاً عن تنشيط الحركة التجارية داخل الأسواق المحلية.
ويؤكد المهنيون أن تطوير هذه الشعبة من شأنه أن يساهم في خلق المزيد من مناصب الشغل، سواء داخل المستثمرات الفلاحية أو في الأنشطة المرتبطة بها، مثل النقل والتخزين والتوضيب والتسويق والصناعات التحويلية.
كما أن ارتفاع الطلب على التفاح الجزائري يشجع العديد من الفلاحين على توسيع المساحات المغروسة، والاستثمار في غرس أصناف جديدة ذات مردودية أعلى وجودة أفضل.

• مزيد من الاستثمار

وتوجاه هذه الشعبة تحديات، أبرزها التقلبات المناخية التي قد تؤثر على الإنتاج في بعض المواسم، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير قدرات التخزين البارد للحفاظ على جودة الثمار لفترات أطول.
كما يطالب الفلاحون بتعزيز برامج الإرشاد الفلاحي، وتوفير الأصناف المحسنة، وتسهيل الحصول على التجهيزات الحديثة الخاصة بالسقي والحماية النباتية، فضلاً عن دعم الاستثمار في وحدات التوضيب والتغليف وفق المعايير الحديثة.
ويرى مختصون أن تطوير هذه الجوانب سيمنح المنتج قدرة أكبر على المنافسة داخل الأسواق الوطنية، ويفتح مستقبلاً المجال أمام التصدير نحو الأسواق الخارجية التي تشهد طلباً متزايداً على الفواكه ذات الجودة العالية.

• التصنيع والتحويل

ولا تقتصر أهمية التفاح على تسويقه في شكله الطازج، بل يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير صناعة تحويلية متكاملة تشمل إنتاج العصائر الطبيعية، والمربى، والخل، والفواكه المجففة، وغيرها من المنتجات التي ترفع القيمة المضافة للمحصول.
ويمثل الاستثمار في هذا المجال فرصة حقيقية لإنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة بالقرب من مناطق الإنتاج، بما يساهم في تثمين المنتوج المحلي، وتقليص الخسائر التي قد تنتج عن فائض الإنتاج خلال بعض المواسم، وتحقيق مداخيل إضافية للفلاحين.
يرى خبراء القطاع الفلاحي أن مستقبل تفاح داغوسة يبدو واعداً في ظل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، والخبرة التي اكتسبها الفلاحون، والدعم المتزايد الذي تعرفه شعبة الأشجار المثمرة في الجزائر.
ويؤكد هؤلاء أن مواصلة الاستثمار في البحث الزراعي، وتحديث أساليب الإنتاج، وتوسيع المساحات المغروسة، وإنشاء مرافق حديثة للتخزين والتحويل، ستجعل من داغوسة قطباً فلاحياً متميزاً في إنتاج التفاح، وقادراً على المساهمة في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد الفلاحي الوطني.