تشهد القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة تسارعاً واضحاً في التوجه نحو الطاقات المتجددة، في ظل سعي متزايد إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز الأمن الطاقوي، والانخراط في الاقتصاد العالمي منخفض الكربون. وتتصدر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر وتقنيات تخزين الطاقة هذا التحول، باعتبارها ركائز استراتيجية يمكن أن تعيد رسم الخريطة الاقتصادية للقارة خلال العقود المقبلة.
غير أن هذا الطموح الكبير يصطدم بعائق جوهري يتمثل في كلفة التمويل المرتفعة وصعوبة الحصول على الاستثمارات اللازمة، وهو ما يهدد وتيرة تنفيذ المشاريع الطاقوية رغم الإمكانات الهائلة التي تزخر بها إفريقيا في هذا المجال.
فبحسب تقرير حديث للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا حول الاقتصاد الإفريقي لسنة 2026، فإن الطاقات المتجددة لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت مساراً اقتصادياً أساسياً قادراً على خلق فرص عمل واسعة، وتطوير صناعات جديدة، وجذب الاستثمارات، غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرهوناً بقدرة الدول الإفريقية على تجاوز الفجوة التمويلية العالمية.
ويشير التقرير إلى أن إفريقيا تمتلك واحداً من أكبر المخزونات الطبيعية للطاقة النظيفة في العالم، حيث تستحوذ على حوالي 60% من الإمكانات العالمية للطاقة الشمسية، إضافة إلى موارد معتبرة من الطاقة الكهرومائية والحرارية الجوفية، مقابل نسبة ضعيفة لا تتجاوز 1% من إمكانات طاقة الرياح العالمية، رغم توسعها التدريجي في السنوات الأخيرة.
ورغم هذه القدرات، لا تزال القارة بعيدة عن تحقيق الاستغلال الأمثل لهذه الموارد، إذ تستهدف الدول الإفريقية الوصول إلى قدرة إنتاج من الطاقات المتجددة تناهز 300 غيغاواط بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب مضاعفة وتيرة تركيب المشاريع الطاقوية أربع مرات مقارنة بالمستويات الحالية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الكهرباء المستقرة داخل القارة.
أما طاقة الرياح، فقد عرفت بدورها تطوراً ملحوظاً، حيث ارتفعت القدرة الإنتاجية من مستويات محدودة قبل عقد من الزمن إلى نحو 20 غيغاواط حالياً. وفي موازاة ذلك، يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أهم رهانات المستقبل الطاقوي في إفريقيا، حيث بدأت عدة دول في تبني استراتيجيات وطنية طموحة لتطوير هذا القطاع، سواء في مجال الصناعة أو التصدير نحو الأسواق العالمية، خاصة نحو أوروبا.
غير أن نجاح هذه المشاريع يظل مرتبطاً بعنصر أساسي يتمثل في تطوير تقنيات تخزين الطاقة، خاصة البطاريات، التي تلعب دوراً محورياً في ضمان استقرار الشبكات الكهربائية في ظل تقلب إنتاج الطاقات المتجددة. ورغم التقدم المحقق، لا تزال مئات الملايين من السكان في إفريقيا يعانون من ضعف أو انقطاع مستمر في الكهرباء، ما يعكس حجم التحدي القائم.
لكن العقبة الأكبر، وفق التقرير، لا تتعلق بالتكنولوجيا بقدر ما ترتبط ببيئة التمويل، حيث لا تحصل إفريقيا سوى على نسبة لا تتجاوز 2% من الاستثمارات العالمية في الطاقات النظيفة، إضافة إلى ارتفاع كلفة الاقتراض مقارنة بباقي مناطق العالم، وهو ما يجعل تنفيذ المشاريع الطاقوية أكثر تكلفة وأبطأ في الإنجاز.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..