حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تشهد الصناعة الغذائية في الجزائر ديناميكية متصاعدة تعكس تحوّلًا تدريجيًا نحو بناء قطاع استراتيجي قادر على تقليل التبعية للمحروقات، من خلال تعزيز التكامل بين الإنتاج الفلاحي والصناعة التحويلية، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالتوضيب والتغليف والتوزيع والتصدير.

ويأتي هذا التطور في سياق مسار اقتصادي جديد يهدف إلى تحويل المواد الأولية الفلاحية المحلية إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة، بما يسمح بترسيخ قاعدة إنتاج وطنية أكثر استقلالية واستدامة، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية في الأسواق الداخلية والخارجية.

وقد تم تسليط الضوء على أهمية هذا القطاع بمناسبة تنظيم معرض “جزاغرو” بالجزائر العاصمة، حيث كشفت المؤشرات الاقتصادية عن حجم إنتاج يقدّر بنحو 14 مليار دولار، مع أكثر من 42.700 مؤسسة تنشط في المجال، وتوفر ما يقارب 1.6 مليون منصب عمل مباشر، ما يجعل الصناعة الغذائية ثاني أهم قطاع اقتصادي بعد المحروقات.

هذا الثقل الاقتصادي يعكس الدور المتنامي للصناعة الغذائية في دعم الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل معدل نمو سنوي يقدّر بحوالي 7%، مدفوع بتوسع النشاط الفلاحي، وتحسن البنية التحتية الإنتاجية، وتزايد التحفيزات الموجهة للاستثمار، إضافة إلى التوجه نحو تعزيز الصادرات خارج المحروقات.

ويُعد القطاع الفلاحي القاعدة الأساسية التي تقوم عليها هذه الصناعة، حيث ساهمت التحسينات الأخيرة في مجالات الكهربة الفلاحية، وتحديث وسائل الإنتاج، وتطوير الرقابة الصحية، في رفع حجم وجودة الإنتاج الفلاحي، مما انعكس بشكل مباشر على أداء الصناعات التحويلية.

وتشمل المواد الأولية التي تغذي الصناعة الغذائية محليًا الحبوب، البطاطا، الحليب ومشتقاته، الزيوت، السكر، منتجات الصيد البحري، واللحوم، وهو ما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية الوطنية وقدرتها على دعم مختلف فروع الصناعات الغذائية.

وفي هذا السياق، بدأت بعض المنتجات المحلية تبرز بقوة في الأسواق الوطنية والدولية، من بينها الخروب، الذي أصبح مادة أولية ذات قيمة مضافة عالية في الصناعات الغذائية الحديثة، خصوصًا في صناعة الشوكولاتة والحلويات كبديل جزئي للكاكاو، مع تسجيل حضور متزايد للمنتجات الجزائرية في أسواق أوروبية وأمريكية.

وقد ساهمت مؤسسات ناشطة في هذا المجال في تطوير سلاسل الإنتاج والتصدير، من خلال تحسين الجودة والحصول على شهادات مطابقة دولية، إضافة إلى العمل المباشر مع الفلاحين لتطوير الإنتاج الأولي، ما يعزز فرص إدماج هذا المنتج في سلاسل قيمة عالمية.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك إمكانات غير مستغلة بشكل كامل، خصوصًا في مجالات النباتات العطرية والطبية والموارد الغابية، التي يمكن أن تشكل قاعدة جديدة للصناعة الغذائية إذا تم تطويرها ضمن رؤية تنظيمية واستثمارية واضحة.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الصناعة الغذائية في الجزائر تتجه نحو لعب دور محوري في إعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الوطني، من خلال تعزيز الأمن الغذائي، ودعم التنويع الاقتصادي، وبناء منظومة إنتاج متكاملة تربط الفلاحة بالصناعة والتصدير، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.

حبيبة.ر