حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يعدّ صدور الفهرس الرسمي المحين للأصناف الخاصة بالبذور والشتائل المرخصة للإنتاج والتسويق في الجزائر خطوة تنظيمية جديدة في قطاع الفلاحة، تهدف إلى إعادة ضبط المنظومة الوطنية للإنتاج النباتي وفق معايير دقيقة وحديثة، بما يضمن تحسين المردودية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
وجاء هذا الفهرس بموجب قرار مؤرخ في 25 جانفي 2026، وصادر عن وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، حيث نصّ على إلغاء جميع القرارات السابقة المعتمدة في هذا المجال خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2018، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للبذور والشتائل في البلاد.
ويُعد هذا التحيين بمثابة مرجع وطني موحّد يحدد بدقة الأصناف النباتية المسموح بإنتاجها وتسويقها واستيرادها وتصديرها، بما يضع حداً للتداخلات التي كانت قائمة في السنوات الماضية، ويعزز في المقابل شفافية التعاملات داخل السوق الفلاحية.

• إطار تنظيمي جديد لضبط السوق الفلاحية

ويأتي هذا الإجراء في سياق جهود الدولة الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين مردودية الإنتاج الفلاحي، من خلال ضبط مدخلات الإنتاج الأساسية، وفي مقدمتها البذور والشتائل، باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج الزراعي.
ومن شأن توحيد المرجعية الوطنية للأصناف المعتمدة تحسين جودة الإنتاج، وتقليص الفوارق بين مختلف المناطق الزراعية، إلى جانب دعم الفلاحين في اختيار الأصناف الأكثر ملاءمة للظروف المناخية المحلية، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية.
كما يُنتظر أن يساهم هذا الفهرس في تعزيز الشفافية داخل السوق الفلاحية، من خلال تحديد واضح ودقيق لما هو مسموح قانونياً، وما هو خارج الإطار التنظيمي، الأمر الذي من شأنه الحد من تداول الأصناف غير المعتمدة أو غير المطابقة للمعايير التقنية المعتمدة وطنياً.

• تفاصيل دقيقة للأصناف المعتمدة في الحبوب

ويتضمن الفهرس الجديد تصنيفاً مفصلاً للأصناف حسب الشعب الزراعية، حيث تم التركيز بشكل خاص على شعبة الحبوب التي تُعد من الركائز الأساسية للأمن الغذائي في الجزائر.
وفي هذا الإطار، تضم القائمة (أ) الخاصة بالحـبوب 85 صنفاً من القمح الصلب، و56 صنفاً من القمح اللين، و40 صنفاً من الشعير، و25 صنفاً من التريتيكال، إضافة إلى 14 صنفاً من الخرطال (الشوفان)، وهو ما يعكس تنوعاً واسعاً في الأصناف الموجهة للإنتاج الوطني.
أما القائمة (ب)، فتشمل 6 أصناف من القمح الصلب، و10 أصناف من القمح اللين، و7 أصناف من الشعير، و7 أصناف من التريتيكال، إضافة إلى صنفين من الشوفان، ما يعكس وجود مستويات مختلفة من الأصناف حسب الجودة والاستعمالات الزراعية والتجارية.
ويُنتظر أن يساهم هذا التصنيف في توجيه الفلاحين بشكل أفضل نحو اختيار البذور الأكثر إنتاجية والأكثر تكيفاً مع الظروف البيئية المختلفة عبر ولايات الوطن، بما يرفع من إنتاجية الهكتار ويحسن نوعية المحاصيل الاستراتيجية.

• البطاطا.. قطاع واسع التنوع

كما أولى الفهرس اهتماماً خاصاً بشعبة البطاطا، التي تُعد من أهم المحاصيل الاستهلاكية في الجزائر، حيث تضم القائمة (أ) 74 صنفاً من الأصناف البيضوية الممدودة الشكل، و128 صنفاً من أصناف ذات أشكال مختلفة ومتنوعة.
أما القائمة (ب)، فتتضمن 13 صنفاً بيضوي الشكل ممدوداً، إلى جانب 61 صنفاً من أصناف أخرى متنوعة، ما يعكس تنوعاً كبيراً في هذا المحصول الذي يحتل مكانة استراتيجية في الأمن الغذائي والاستهلاك اليومي للمواطنين.
ويعكس هذا التنوع في الأصناف حرص السلطات على توفير خيارات متعددة للفلاحين بما يتماشى مع اختلاف المناطق الزراعية والخصائص المناخية والتربة، إضافة إلى تلبية حاجيات السوق الوطنية المتزايدة.

• الأشجار المثمرة والعنب ضمن الرؤية الجديدة

ولم يقتصر الفهرس الجديد على الحبوب والبطاطا، بل شمل أيضاً أصنافاً من أصول الأشجار المثمرة، على غرار التفاح والإجاص والخوخ والكرز والحمضيات، إضافة إلى أصناف مختلفة من عنب المائدة.
ويُعتبر هذا التوجه مؤشراً على اهتمام متزايد بتطوير شعبة الأشجار المثمرة، باعتبارها أحد أهم محاور تنويع الإنتاج الفلاحي وتحقيق قيمة مضافة عالية، سواء على مستوى السوق المحلية أو على مستوى التصدير مستقبلاً.
ويرى مختصون أن إدراج هذه الأصناف ضمن فهرس موحد ومرجعي سيسمح بتحسين عملية اختيار الغراسة وتوجيه الاستثمار الفلاحي نحو أصناف أكثر مردودية وأفضل جودة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمناخ وندرة الموارد المائية.

• ضبط قانوني صارم لحركة البذور

وينص القرار الصادر في الجريدة الرسمية بشكل واضح على أن الأصناف المصادق عليها والمسجلة في الفهرس الرسمي فقط هي المسموح بإنتاجها وإكثارها واستيرادها وتصديرها وتوزيعها وتسويقها، وذلك وفقاً للتشريع المعمول به في مجال البذور والنباتات.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الرقابة على السوق الفلاحية وضمان تتبع دقيق لمسار البذور والشتائل، بما يحمي الفلاحين من المخاطر المرتبطة بالأصناف غير المعتمدة أو الرديئة الجودة، كما يضمن حماية المستهلك النهائي عبر تحسين جودة الإنتاج الوطني.
كما نص القرار على أن أي عملية تسجيل جديدة أو شطب لأي صنف من الفهرس لا تتم إلا بموجب قرار رسمي صادر عن وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، وهو ما يعزز الطابع المؤسساتي والعلمي في تسيير هذا الملف الحساس.
ويأتي هذا التحيين في سياق وطني أوسع يهدف إلى تقوية الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، من خلال تطوير الإنتاج المحلي وتحسين مردوديته، خاصة في ظل التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية للمواد الغذائية.
كما يُرتقب أن يفتح هذا الإطار الجديد المجال أمام تعزيز البحث العلمي في المجال الزراعي، وتشجيع المؤسسات المختصة على تطوير أصناف جديدة مقاومة للجفاف والأمراض، بما يتماشى مع التحولات المناخية التي تعرفها الجزائر والمنطقة عموماً.

• نحو فلاحة أكثر حداثة وتنظيماً

ويعكس هذا القرار توجهاً استراتيجياً نحو إعادة بناء منظومة البذور والشتائل على أسس علمية حديثة، تقوم على الدقة في التصنيف، والصرامة في الترخيص، والاعتماد على معايير تقنية معترف بها دولياً.
كما يُنظر إليه كخطوة مهمة في مسار تحديث الفلاحة الجزائرية، من خلال تحسين الحوكمة داخل القطاع، وتعزيز فعالية السياسات العمومية، وتوجيه الاستثمارات نحو مجالات ذات قيمة مضافة عالية.