حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

عاد القمح إلى واجهة المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي العالمي، مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة البحر الأسود، التي تعد واحدة من أهم المراكز العالمية لتصدير الحبوب، وسط اضطرابات متزايدة طالت الموانئ والسفن والمنشآت المرتبطة بتجارة الحبوب الروسية والأوكرانية.
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول المستوردة للقمح، ولا سيما في إفريقيا، حيث تعتمد مجموعة واسعة من البلدان على الواردات الخارجية لتأمين احتياجاتها من هذه المادة الأساسية، التي ترتبط مباشرة بتوفير الخبز والعديد من المنتجات الغذائية.
ومنذ جويلية 2026، أدت الهجمات المتبادلة إلى تعطيل عدد من مسارات التصدير، في وقت تمثل فيه روسيا وأوكرانيا معاً نحو 27 بالمائة من صادرات القمح العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في المنطقة قابلاً للانتقال بسرعة من المجال الجيوسياسي إلى الأسواق العالمية ثم إلى موائد المستهلكين.

• أزمة البحر الأسود.. عندما يصبح الطريق أخطر من المحصول

وتكشف التطورات الحالية عن تحول مهم في طبيعة المخاطر التي تواجه تجارة القمح العالمية.
فالمشكلة لا تتمثل بالضرورة في عدم وجود كميات كافية من القمح في العالم، وإنما في قدرة المنتجين والمصدرين على إيصال الحبوب إلى الأسواق في الوقت المناسب وبكلفة مقبولة.
وتعتمد تجارة الحبوب الدولية بدرجة كبيرة على النقل البحري، ولذلك فإن تعرض الموانئ أو السفن أو الممرات البحرية للخطر ينعكس مباشرة على تكلفة التجارة.
فكلما ارتفعت المخاطر الأمنية، ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وقد يضطر المصدرون إلى استخدام طرق أطول أو أكثر تعقيداً، ما يضيف أعباء جديدة إلى سعر الطن.

• الجزائر تحقق أرقاما قياسية في الإنتاج المحلي

أما الجزائر، فتجد نفسها معنية أيضاً بالتطورات التي يشهدها سوق القمح العالمي، بالنظر إلى أهمية الحبوب في منظومة الأمن الغذائي الوطني.
وتتميز الجزائر بقاعدة إنتاج محلي مهمة من الحبوب، إلا أن الإنتاج الوطني لا يزال يتأثر بالظروف المناخية، الأمر الذي جعل الاستيراد أحد مكونات تأمين السوق الوطنية.

• صادرات مهددة عالميا وتراجع حاد في الكميات

وتشير تقديرات حديثة إلى أن صادرات القمح الروسية والأوكرانية خلال أوت 2026 قد تهبط إلى أقل من 2.5 مليون طن، مقابل نحو 6.3 ملايين طن في أوت من العام الماضي.
ويعني ذلك تراجعاً يقارب 3.8 ملايين طن خلال شهر واحد، وهو انخفاض كبير بما يكفي لإجبار الأسواق العالمية على إعادة حساباتها بشأن الإمدادات المقبلة.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن السوق العالمية دخلت في مرحلة نقص فعلي، لكنها تعكس حجم الاضطراب الذي يمكن أن يحدث عندما تتعرض منطقة تصدير رئيسية إلى اضطرابات عسكرية ولوجستية.
فالأسواق لا تنتظر حدوث النقص فعلياً حتى تتحرك، بل تبدأ في تسعير المخاطر منذ ظهور المؤشرات الأولى على احتمال تأخر الشحنات أو ارتفاع تكاليف نقلها.

• روسيا تبحث عن طرق بديلة

وفي مواجهة المخاطر المتزايدة في البحر الأسود، بدأت روسيا في البحث عن مسارات بديلة لصادراتها، من بينها زيادة الاعتماد على طرق تمر عبر بحر البلطيق.
لكن تغيير المسارات لا يمثل حلاً بسيطاً، إذ يمكن أن يضيف مسافات أطول وتكاليف إضافية للنقل والتأمين والموانئ.
وفي الوقت نفسه، تواجه أوكرانيا تحديات متزايدة في استخدام موانئها الرئيسية على البحر الأسود، ما يجعل قدرتها على تصدير الحبوب مرتبطة بدرجة كبيرة بالوضع الأمني للممرات البحرية.
وهذا الوضع يخلق ضغطاً إضافياً على الدول المستوردة التي اعتادت الحصول على كميات كبيرة من القمح من منطقة البحر الأسود بأسعار تنافسية.
وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه التطورات على الأسواق العالمية، مع ارتفاع مستويات القلق بشأن مستقبل الإمدادات.
وتعرف هذه الزيادة في الأسواق باسم «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الزيادة التي يضيفها المتعاملون إلى الأسعار عندما ترتفع احتمالات حدوث اضطرابات في الإنتاج أو النقل أو التجارة.
وفي حالة القمح، يمكن لعلاوة المخاطر أن ترتفع حتى قبل حدوث نقص فعلي في المعروض، لأن التجار والمستوردين وشركات الشحن والتأمين يأخذون في حساباتهم احتمالات تعطل الإمدادات مستقبلاً.
وبالتالي، فإن السوق لا تسعر القمح الموجود فعلياً فقط، وإنما تسعر أيضاً مخاطر الوصول إلى القمح في المستقبل.

• إفريقيا.. الحلقة الأكثر حساسية

وتبدو القارة الإفريقية من أكثر المناطق التي يمكن أن تتأثر بأي اضطراب طويل في تجارة القمح عبر البحر الأسود.
ويرجع ذلك إلى اعتماد العديد من الدول الإفريقية على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجاتها الغذائية، فضلاً عن محدودية قدرة بعض الاقتصادات على تحمل ارتفاعات كبيرة ومفاجئة في أسعار الحبوب العالمية.
وتزداد حساسية الوضع في الدول التي تعتمد على القمح المستورد لتأمين الخبز والمواد الغذائية الأساسية، لأن أي ارتفاع في سعر الاستيراد يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى تكاليف الإنتاج الغذائي والأسعار المحلية.

• مصر في قلب دائرة الخطر

وتأتي مصر في مقدمة الدول الإفريقية الأكثر تعرضاً لتداعيات اضطرابات البحر الأسود، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على واردات القمح الروسي والأوكراني.
وتشير بيانات حديثة إلى أن روسيا وأوكرانيا مثلتا معاً نحو 82 بالمائة من واردات القمح المصرية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، وهو ما يعكس درجة مرتفعة من التركّز في مصادر الإمداد.
ويعني هذا التركّز أن أي اضطراب طويل في صادرات البلدين يمكن أن يجبر القاهرة على التحرك بسرعة نحو مصادر بديلة، وهو ما بدأ يظهر بالفعل من خلال توجه مشترين مصريين نحو القمح الفرنسي ومصادر أخرى.
غير أن الانتقال إلى مصادر بديلة قد لا يكون بلا تكلفة، خاصة عندما تكون الأسعار أو تكاليف الشحن أعلى من تلك التي كانت متاحة من منطقة البحر الأسود.
كما تشير بيانات “أس بي غلوبال” إلى أن المخزونات الخاصة في مصر لا تغطي سوى نحو شهر واحد، الأمر الذي يزيد حساسية السوق أمام أي اضطراب طويل في حركة الواردات.

• السودان وليبيا ودول جنوب الصحراء أمام اختبار أيضاً

• من البحر الأسود إلى أستراليا والأرجنتين وفرنسا

وبدأت بعض الأسواق المستوردة بالفعل في البحث عن بدائل للقمح القادم من البحر الأسود.
ويتجه المشترون إلى مصادر مثل فرنسا وأستراليا والأرجنتين، غير أن هذه البدائل قد تكون أكثر تكلفة في بعض الحالات بسبب المسافات البحرية المختلفة وتكاليف النقل والتأمين.
وتعني زيادة الطلب العالمي على هذه المصادر أن ارتفاع الطلب عليها قد يؤدي بدوره إلى رفع أسعارها.
وبذلك تجد الدول المستوردة نفسها أمام معادلة صعبة: إما انتظار الشحنات القادمة من البحر الأسود مع تحمل مخاطر التأخير، أو البحث عن مصادر بديلة أكثر أمناً ولكن ربما أكثر تكلفة.
وتكشف التطورات الحالية واحدة من أهم نقاط الضعف في منظومة الأمن الغذائي العالمي، وهي الاعتماد المفرط على منطقة جغرافية واحدة أو عدد محدود من الموردين.
فعندما تكون الأسواق مرتبطة بمصدر واحد أو مسار تجاري رئيسي، فإن أي أزمة سياسية أو عسكرية أو مناخية في تلك المنطقة يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة عالمية.
وقد أظهرت أزمة الحبوب التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 مدى سرعة انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى أسواق الغذاء.
واليوم، تعيد التوترات الجديدة في البحر الأسود التأكيد على أن الأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج العالمي، وإنما أيضاً بمدى مرونة سلاسل الإمداد وقدرتها على امتصاص الصدمات.

ومن بين أهم الدروس التي تفرضها الأزمة الحالية أهمية بناء مخزونات استراتيجية قادرة على تغطية الاحتياجات لفترة مناسبة.
فالمخزون لا يمنع ارتفاع الأسعار العالمية، لكنه يمنح الدول المستوردة هامشاً زمنياً يسمح لها بالتعامل مع الاضطرابات دون الدخول مباشرة في عمليات شراء طارئة.
كما أن وجود مخزونات كافية يقلل الحاجة إلى شراء كميات كبيرة في ذروة ارتفاع الأسعار، ويمنح الحكومات والمستوردين قدرة أكبر على اختيار توقيت الشراء ومصدر الإمداد.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في إفريقيا، حيث يمكن أن تكون قدرة بعض الدول على تمويل مشتريات طارئة محدودة مقارنة بحجم احتياجاتها.

• الإنتاج المحلي.. خط الدفاع الأول

وفي المدى الطويل، يبقى تطوير الإنتاج المحلي للحبوب أحد أهم عناصر تقليل المخاطر.
فكل طن يتم إنتاجه محلياً يعني تقليل الحاجة إلى استيراده من الأسواق الخارجية، وبالتالي تقليل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية ومخاطر النقل والشحن.
لكن زيادة الإنتاج تحتاج إلى أكثر من توسيع المساحات المزروعة، إذ تتطلب تحسين البذور، ورفع المردودية، وتطوير تقنيات الري، وتحسين إدارة التربة، وتعزيز المكننة، وتقليل خسائر ما بعد الحصاد.
وتحتاج إفريقيا بصفة خاصة إلى تحويل الأمن الغذائي من مجرد سياسة للاستجابة للأزمات إلى استراتيجية إنتاج وتخزين وتصنيع وتجارة طويلة الأجل.
وتضع التطورات الحالية الدول الإفريقية أمام اختبار جديد، في وقت لا تزال فيه آثار الأزمات الغذائية العالمية السابقة حاضرة في الذاكرة.
فالدرس الأساسي الذي تؤكده أزمة البحر الأسود هو أن الأمن الغذائي لا يتعلق فقط بوجود الغذاء، وإنما بإمكانية الوصول إليه ونقله وتخزينه وشرائه بسعر يمكن تحمله.
وتواجه الدول الإفريقية، في ضوء هذه التطورات، ثلاث معارك مترابطة، الأولى هي معركة تأمين الإمدادات من خلال تنويع مصادر الاستيراد, والثانية هي معركة الأسعار، عبر تعزيز المخزونات والتفاوض على عقود توريد أكثر استقراراً وتقليل تكاليف النقل, أما الثالثة فهي معركة الإنتاج المحلي، وهي الأكثر أهمية على المدى الطويل، لأنها تسمح للدول بتقليص اعتمادها على الأسواق الخارجية تدريجياً.