حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

سيكون موسم الحبوب 2026/27 استثنائياً في الجزائر حسب المؤشرات الأولية، ووفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية مؤكدة الاتجاه نحو مستوى إنتاج قياسي.
يُعزى الأداء المتوقع إلى التدابير الحكومية والظروف الجوية المواتية فقد ساهمت الأمطار التي هطلت خلال الموسم في الحفاظ على مستويات عالية من رطوبة التربة، مما أدى إلى تحسين المحاصيل.
حسب بيانات الهيئة الأمريكية تتجه الجزائر نحو تحقيق محصول قياسي يبلغ 4.1 مليون طن متري، ما يمثل زيادة بنسبة 28% مقارنة بالعام الماضي. ويُقدر متوسط الإنتاجية بـ 2.05 طن للهكتار، بزيادة قدرها 15%. وقد بلغت المساحة المزروعة مليوني هكتار، بزيادة قدرها 200 ألف هكتار.
بالموازاة، تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة تحوّلًا عميقًا في رؤيتها للقطاع الفلاحي، خاصة في المناطق الصحراوية، حيث لم تعد الصحراء تُنظر إليها كفضاء هشّ مناخيًا، بل كرئة إنتاج جديدة تسعى الدولة من خلالها إلى بناء سلة قمح وطنية، تقلّل من الاعتماد على الاستيراد وتدعم مسار الأمن الغذائي.
هذا التوجه يقوم على مزيج من الاستثمار في الأراضي، وتطوير البنية التحتية، وتحديث التقنيات الزراعية، مع فتح المجال أمام المستثمرين في الجنوب لاستغلال مساحات شاسعة كانت غير مستغلة سابقًا.

طفرة في إنتاج الحبوب جنوب البلاد

تشير حملات الحصاد والدرس الجارية في عدد من ولايات الجنوب مثل إليزي، تيميمون، ورقلة وأدرار، إلى توسع واضح في زراعة الحبوب خلال المواسم الأخيرة، مع تسجيل مؤشرات إنتاجية تصاعدية تعكس ديناميكية جديدة في القطاع.
وتُظهر المعطيات الأولية إمكانية بلوغ إنتاج يتجاوز 4 ملايين قنطار هذا الموسم، مقابل نحو 3 ملايين قنطار في 2025، وهو ما يعكس منحى تصاعديًا في الإنتاج الزراعي.
ويرتبط هذا النمو بعدة عوامل أساسية، أبرزها توسيع المساحات المزروعة في الجنوب، وتحسن خبرة المستثمرين في استغلال الأراضي الصحراوية، إضافة إلى الدعم العمومي المتواصل لشعبة الحبوب ضمن استراتيجية الأمن الغذائي.

 استثمارات كبرى وبنية تحتية متطورة لدعم الفلاحة الصحراوية

لم يقتصر التحول الزراعي على رفع الإنتاج فقط، بل رافقه تطوير واسع للبنية التحتية الموجهة للفلاحة في الجنوب، خاصة في ولاية ورقلة التي أصبحت أحد أهم الأقطاب الزراعية الجديدة.
ويشمل هذا المسار إنجاز شبكات كهربائية موجهة للاستغلال الفلاحي على مسافات طويلة، وفتح مسالك زراعية جديدة لتسهيل الوصول إلى المستثمرات، إضافة إلى إنشاء مراكز حديثة لجمع الحبوب، ما ساهم في تحسين سلسلة الإنتاج وتقليل الفاقد.
كما يندرج برنامج الكهرباء الزراعية في الجنوب ضمن رؤية تشمل عدة ولايات، بغلاف مالي معتبر يهدف إلى ربط آلاف المستثمرين الفلاحيين بالشبكة الكهربائية، بما يسمح بتوسيع نطاق الزراعة العصرية المعتمدة على التقنيات الحديثة.
تُعد ولايتا تيميمون وإليزي من أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول السريع في الجنوب الجزائري، حيث تشهدان توسعًا واضحًا في زراعة الحبوب وتزايدًا في عدد المستثمرين الفلاحيين.
في تيميمون، ارتفعت المساحات المزروعة بنسبة تفوق 50 بالمئة مقارنة بالمواسم السابقة، مع توقعات بإنتاج معتبر يعكس تحسن مردودية الأراضي الصحراوية.
أما في إليزي، فقد سجل القطاع الزراعي قفزة نوعية من خلال تضاعف عدد المستثمرين في زراعة الحبوب خلال موسم واحد، ما يعكس دخول المنطقة في مرحلة جديدة من الاستغلال الفلاحي المنظم.
ويعتمد هذا النمو على إدخال تقنيات الري المحوري، واستعمال تجهيزات ميكانيكية متطورة، ما ساهم في تحسين الإنتاج وتسريع عمليات الحصاد وتقليل الجهد اليدوي.

مراكز جمع الحبوب ودعم السلسلة اللوجستية للإنتاج

من بين أهم التحولات المرافقة لتوسع الزراعة الصحراوية، إنشاء مراكز حديثة لجمع الحبوب، والتي لعبت دورًا محوريًا في تنظيم عملية الإنتاج.
هذه المراكز وفرت حلولًا لوجستية مهمة من خلال تمكين الفلاحين من تخزين محاصيلهم في ظروف ملائمة تحميها من العوامل المناخية، ثم توجيهها لاحقًا نحو الصوامع الكبرى، بما يضمن تنظيمًا أفضل لسلسلة التوزيع.
كما ساهمت هذه البنية الجديدة في تقليص المسافات الطويلة التي كان يقطعها المنتجون سابقًا، ما انعكس إيجابًا على تكلفة الإنتاج وسرعة التسويق.

ولاية تيميمون عرفت زيادة في المساحة المزروعة تقدر بأزيد من 50 بالمائة

واقتحم الاستثمار الأجنبي مجال الفلاحة في الجنوب، إذ أشرف وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين المهدي وليد، قبل أيام بولاية تيميمون، على انطلاق أول عملية حصاد لمحصول القمح على مساحة 1600 هكتار في إطار مشروع الشراكة الجزائري-الإيطالي لإنتاج الحبوب والبقوليات.
وأوضح المهدي وليد، لدى إعطائه إشارة انطلاق حملة الحصاد والدرس للموسم الفلاحي 2025-2026 من مستثمرة واحة الصحراء من المحيط الفلاحي سطح أوقروت، أن وزارة الفلاحة تتوقع تحقيق إنتاج قياسي لمختلف أنواع الحبوب، لاسيما القمح الصلب، سواء في شمال البلاد أو جنوبها.
وأضاف أن ولاية تيميمون عرفت زيادة في المساحة المزروعة تقدر بأزيد من 50 بالمائة مقارنة بالموسم الفارط، مما يدل على الدينامكية والتطور الذي تعرفه الزراعات الإستراتجية في هذه الولاية.
وقدم القائمون على المشروع عرضا للوفد الوزاري حول مراحل تقدم المشروع لاسيما فيما يتعلق بالمساحة المزروعة وأنظمة السقي المعتمدة ومختلف التقنيات الحديثة المستعملة في الإنتاج، فضلا عن الأشغال المنجزة والجارية، على غرار قاعدة الحياة بمختلف مرافقها وهياكلها وتعبيد شبكة طرق داخل المزرعة من طرف المؤسسة العمومية كوسيدار.
كما أكدوا بالمناسبة على العمل خلال الموسم المقبل على تطوير الأداء بالاستفادة من التجربة المكتسبة خلال هذا الموسم، بهدف بلوغ مردودية تقدر بـ60 قنطارا في الهكتار.
ويندرج هذا المشروع الهام ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق إنتاج محلي مستدام، بما يساهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتوفير منتجات ذات جودة عالية من الحبوب والأعلاف والبقول الجافة، مثلما تمت الإشارة إليه.
يذكر أن المشروع الجزائري الايطالي لإنتاج الحبوب والبقوليات، يتربع على مساحة تقدر بـ36 ألف هكتار ويتم تجسيده في إطار شراكة وفق قاعدة 49/51 بين الصندوق الوطني للاستثمار والشريك الايطالي.