حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تشهد الجزائر ابتداءً من منتصف شهر جوان انطلاق موسم الحصاد والدرس للموسم الفلاحي 2025-2026 بولاية الجزائر في واحدة من أهم العمليات الفلاحية السنوية المرتبطة بشكل مباشر بالأمن الغذائي الوطني، حيث تُعد هذه المرحلة مفصلية في تقييم أداء الموسم من حيث المردودية وحجم الإنتاج، خاصة في شعبة الحبوب التي تمثل العمود الفقري للمنظومة الغذائية الوطنية.
ويأتي هذا الموسم في ظرف يتميز بتعبئة وطنية واسعة النطاق تشمل مختلف الفاعلين في القطاع الفلاحي، من مؤسسات عمومية وهيئات تنظيمية ومهنيين وفلاحين، إلى جانب تسخير إمكانيات مادية وبشرية معتبرة لضمان سير العملية في ظروف تنظيمية ولوجستية دقيقة، تشمل آلاف الحاصدات والجرارات والشاحنات، إضافة إلى تعزيز قدرات التخزين والتجميع على مستوى مختلف الولايات المنتجة، بما يسمح باستيعاب الكميات المرتقبة دون اختناقات.

• ظروف مناخية مواتية ترفع سقف التوقعات وتدعم مردودية الحبوب

سجل الموسم الفلاحي الحالي تحسناً واضحاً في الظروف المناخية مقارنة بالمواسم السابقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الحالة العامة للمحاصيل الزراعية، خاصة الحبوب التي تعتمد بشكل كبير على التساقطات المطرية خلال مراحل النمو الأساسية.
وقد ساهمت الأمطار المتساقطة خلال الموسم في تحسين المؤشرات النباتية، حيث بلغت كميات التساقط في بعض مناطق الوسط حوالي 750 ملم، مقابل 444 ملم فقط خلال الموسم الماضي، وهو فارق كبير ساهم في رفع مستوى التفاؤل لدى الفلاحين والمهنيين بخصوص حجم الإنتاج المنتظر.
كما لعبت المتابعة التقنية الميدانية دوراً محورياً في دعم هذا المسار الإيجابي، من خلال تدخل المصالح المختصة في الوقت المناسب لمكافحة الأمراض الفطرية ومراقبة مراحل نمو المحاصيل، ما ساهم في تقليص الخسائر وتحسين جودة المنتوج النهائي المتوقع خلال عملية الجني.

• تعبئة غير مسبوقة للعتاد الفلاحي

تم ضبط برنامج وطني محكم لانطلاق عملية الحصاد والدرس ابتداءً من 15 جوان، مع تعبئة واسعة للوسائل المادية واللوجستية، تشمل آلاف الحاصدات والجرارات والشاحنات، إلى جانب دعم قدرات مراكز التخزين والتجميع عبر مختلف ولايات الوطن.
كما تم تنصيب خلية وطنية على مستوى الغرفة الفلاحية لمتابعة سير الحملة ميدانياً، بهدف ضمان مرافقة الفلاحين في جميع مراحل العملية، من الحصاد إلى النقل ثم التخزين، بما يضمن انسيابية العمل وتقليل الخسائر المحتملة وتحسين التنظيم الميداني.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقاربة وطنية شاملة تهدف إلى رفع نجاعة سلسلة الإنتاج الفلاحي، وتحسين إدارة المخزون الوطني من الحبوب، وتعزيز قدرة الدولة على التحكم في السوق وضمان استقرار التموين.

• نتائج أولية إيجابية عبر عدة ولايات ومؤشرات إنتاج مرتفعة

سجلت عدة ولايات انطلاقة قوية لعملية الحصاد، ما يعكس ديناميكية إيجابية في الموسم الفلاحي الحالي، حيث تمكنت ولاية سيدي بلعباس من جمع أكثر من 82530 قنطاراً خلال الأيام الأولى، أغلبها من مادة الشعير، وهو ما يعكس سرعة تقدم العملية ووفرة الإنتاج في بدايتها.
أما في ولاية غليزان، فتشير التقديرات الأولية إلى إنتاج يفوق 1.3 مليون قنطار على مساحة تفوق 88 ألف هكتار، مع مردودية تتراوح بين 15 و16 قنطاراً في الهكتار، مدعومة بظروف مناخية ملائمة وتساقطات مطرية تجاوزت 400 ملم خلال الموسم الفلاحي.
وفي ولاية قسنطينة، تُقدَّر التوقعات بإنتاج يتجاوز 2 مليون قنطار، مع توفر قدرات تخزين تفوق 2.2 مليون قنطار، إلى جانب تجهيزات لوجستية معتبرة تشمل مئات الحاصدات وعشرات الشاحنات، ومحطات متخصصة في فرز وإنتاج البذور، ما يعكس جاهزية تنظيمية عالية لاستيعاب الموسم.

• إجراءات وقائية مشددة لحماية المحاصيل وضمان استمرارية الحملة

بالتوازي مع انطلاق عملية الحصاد، كثفت المصالح الفلاحية إجراءات الوقاية من حرائق المحاصيل، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال هذه الفترة الحساسة، من خلال توجيه الفلاحين إلى ضرورة صيانة العتاد الفلاحي بشكل دوري، وتوفير وسائل الإطفاء داخل الحقول، وتهيئة المسالك الفلاحية لتسهيل تدخل فرق التدخل السريع عند الحاجة.
كما تم تعزيز التنسيق مع تعاونيات الحبوب والبقول الجافة لضمان نقل المحاصيل نحو مراكز التخزين في ظروف منظمة وآمنة، وتفادي الاكتظاظ أو التأخير، بما يضمن استقبال الإنتاج بسلاسة على المستوى الوطني.

• شعبة الحبوب.. ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي والسيادة الوطنية

تؤكد المعطيات الوطنية أن شعبة الحبوب تمثل أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في الجزائر، نظراً لدورها المحوري في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الاستقلال الغذائي، حيث تراهن الدولة على رفع الإنتاج الوطني وتحسين المردودية من خلال توسيع المساحات المزروعة، وتحديث تقنيات الإنتاج، وتشجيع استعمال البذور المعتمدة عالية الجودة.
كما ساهمت الديناميكية الفلاحية المسجلة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز أداء عدد من الشعب الاستراتيجية الأخرى، ما يعكس تطوراً تدريجياً في القطاع الفلاحي الوطني، سواء من حيث التنظيم أو الإنتاج أو التنوع الزراعي.
ويعتبر هذا التوجه جزءاً من رؤية وطنية أوسع تهدف إلى بناء منظومة غذائية مستقرة قادرة على تقليل التبعية للأسواق الخارجية، وتعزيز قدرة الجزائر على مواجهة تقلبات السوق الدولية.
ويدخل موسم الحصاد 2025-2026 مرحلة حاسمة تحمل مؤشرات قوية على إنتاج وفير، في وقت تتجه فيه الجهود نحو تعزيز المخزون الوطني من الحبوب وترسيخ الأمن الغذائي كأولوية استراتيجية، بما يجعل من هذا الموسم محطة مفصلية في مسار دعم السيادة الغذائية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.