حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في سياق التحديات المناخية المتزايدة وتراجع الموارد المائية التقليدية، تتجه الجزائر، على غرار العديد من الدول، نحو تبني حلول مبتكرة ومستدامة لضمان استمرارية النشاط الفلاحي، وفي مقدمتها إعادة استعمال المياه المعالجة في السقي. وفي هذا الإطار، احتضنت ولاية مستغانم يومًا دراسيًا هامًا جمع مختلف الفاعلين في القطاع، من مسؤولين محليين وخبراء ومهنيين، لمناقشة آفاق تثمين هذه الموارد غير التقليدية، في خطوة تعكس الوعي المتزايد بأهمية الأمن المائي كركيزة أساسية للتنمية الفلاحية.
وقد أكد المتدخلون خلال هذا اللقاء أن اللجوء إلى المياه المصفاة لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة حتمية تفرضها التحولات المناخية والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، خاصة في الولايات ذات الطابع الفلاحي المسقي مثل مستغانم.

وشكل هذا اليوم الدراسي فرصة لاستعراض الإمكانيات التي تتوفر عليها الولاية في مجال معالجة المياه، حيث تحصي مستغانم 12 محطة لتصفية المياه المستعملة بطاقة إجمالية معتبرة، ما يتيح إمكانية استغلال كميات هامة في السقي الفلاحي وفق المعايير الصحية المعتمدة.
كما تم تسليط الضوء على النتائج المحققة خلال السنوات الأخيرة، إذ تم تسجيل معالجة ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنويًا، مع توجيه جزء منها نحو الري، وهو ما ساهم في دعم المساحات الزراعية المسقية وتحسين مردودية بعض الشعب الفلاحية. غير أن هذه المؤشرات، رغم إيجابيتها، تبقى دون الطموحات، ما يستدعي تكثيف الجهود لرفع نسب إعادة الاستعمال وتحسين شبكات التوزيع والتأطير التقني للفلاحين.
وفي هذا السياق، شدد المشاركون على أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على التسيير المدمج للموارد المائية، من خلال تنويع مصادر التموين بين المياه السطحية والجوفية والمعالجة، إلى جانب تطوير البنى التحتية وتعزيز الوعي لدى الفلاحين حول كيفية استغلال هذه الموارد بشكل آمن وفعال.
كما تم التأكيد على ضرورة مرافقة الفلاحين تقنيًا لضمان احترام المعايير الصحية والبيئية، بما يحافظ على جودة المنتوج الفلاحي وسلامة المستهلك.

نحو فلاحة مستدامة قائمة على الموارد غير التقليدية

ويعكس التوجه نحو إعادة استعمال المياه المصفاة انسجامًا واضحًا مع السياسة الوطنية التي تولي أهمية متزايدة لتثمين الموارد غير التقليدية، إلى جانب مشاريع تحلية مياه البحر، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الأمن المائي والغذائي في آن واحد. كما يمثل هذا الخيار فرصة حقيقية لتقليص الضغط على الموارد التقليدية، خاصة في ظل تزايد الطلب على المياه في القطاع الفلاحي، الذي يعد من أكبر المستهلكين لها.
وقد أتاح اللقاء أيضًا فضاءً للنقاش وتبادل الخبرات، حيث تم عرض تجارب ميدانية ناجحة لفلاحين اعتمدوا على المياه المعالجة في السقي، ما ساهم في تحسين إنتاجهم وضمان استمرارية نشاطهم رغم شح الموارد. وتؤكد هذه التجارب أن تعميم هذه الممارسات، مرفوقًا بالتأطير التقني والاستثمار في البنى التحتية، من شأنه أن يشكل رافعة حقيقية لتطوير الفلاحة وتحقيق تنمية مستدامة، قادرة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية المستقبلية.