في ظل اعتماد شبه كلي على استيراد الأسمدة الزراعية، تسعى مالي إلى تعزيز أمنها الزراعي عبر تأمين مصادر مستقرة للإمدادات، خاصة في سياق سوق عالمي يشهد تقلبات حادة نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد، وهو ما دفع باماكو إلى فتح مسار تعاون استراتيجي مع روسيا لتقليص مخاطر الانقطاع في هذا المدخل الحيوي للقطاع الفلاحي.
وقد كشفت السلطات المالية عن إجراء مباحثات مع الجانب الروسي، على هامش الدورة السابعة عشرة من المنتدى الاقتصادي الدولي “روسيا – العالم الإسلامي” المنعقد بمدينة قازان بين 12 و17 ماي، حيث تم التطرق إلى آليات ضمان توريد منتظم ومسبق للأسمدة والمدخلات الزراعية، بما يسمح بمواكبة الجداول الزمنية للمواسم الزراعية ودعم إنتاج الفلاحين المحليين.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه سوق الأسمدة العالمي اضطراباً متزايداً، حيث تشير تقارير دولية، من بينها تقرير “آفاق أسواق السلع” الصادر عن البنك الدولي، إلى احتمال ارتفاع أسعار الأسمدة بأكثر من 30% خلال سنة 2026، مدفوعة بعدة عوامل أبرزها التوترات في الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية للأسمدة.
كما يُتوقع أن يسجل سعر اليوريا، وهي من أهم الأسمدة النيتروجينية، ارتفاعاً ملحوظاً قد يصل إلى 675 دولاراً للطن، أي بزيادة تقارب 60% مقارنة بالسنة السابقة، وهو ما يزيد من الضغط على الدول المستوردة ويؤثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج الزراعي.
وتُعد روسيا أحد أبرز الفاعلين في سوق الأسمدة عالمياً، كما تعتبر شريكاً محورياً لمالي في هذا المجال، حيث استوردت البلاد نحو 310 آلاف طن من الأسمدة النيتروجينية خلال سنة 2023، وكانت روسيا تمثل حوالي 27% من إجمالي الواردات، متقدمة على عدة دول أخرى مزودة.
غير أن السياسة الروسية الحالية، القائمة على تقييد جزئي للصادرات بهدف ضمان تلبية الطلب الداخلي خلال موسم الزراعة، قد تساهم في زيادة اضطراب السوق العالمية، خاصة بعد إعلان موسكو تحديد سقف صادرات الأسمدة عند 20 مليون طن بين جوان ونوفمبر، وهو ما ينعكس على توازن العرض والطلب دولياً.
وفي السياق ذاته، تتجه دول أخرى إلى سياسات مماثلة، مثل الصين التي فرضت قيوداً على صادرات اليوريا، ومصر التي أقرت ضرائب مؤقتة على تصدير الأسمدة، ما يعكس تحوّلاً واضحاً نحو أولوية “الأمن الغذائي الداخلي” على حساب الانفتاح التجاري.
هذا التحول العالمي يعكس بروز مقاربة جديدة في إدارة الموارد الزراعية، حيث أصبحت الدول تعطي الأولوية لضمان استقرارها الغذائي الداخلي، وهو ما يضع الدول المعتمدة بشكل كلي على الاستيراد، مثل مالي، أمام تحديات متزايدة تتعلق بالأمن الغذائي وتكاليف الإنتاج.
وبحسب بيانات المركز الدولي لتطوير الأسمدة، بلغ متوسط استهلاك مالي السنوي حوالي 516 ألف طن بين 2019 و2023، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على الأسواق الخارجية لتغطية حاجياتها الزراعية.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..