حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

فتح نجاح تجربة زراعة البطاطا في الكثبان الرملية الباب أمام تعميمها في المنيعة والمشرية والنعامة، ليصبح النموذج الصحراوي ركيزة لتعزيز الأمن الغذائي ورفع إنتاج الجزائر من البطاطا، مع ترسيخ مكانة الفلاحة الصحراوية كأحد أهم محركات التنمية الزراعية المستدامة.
تحولت زراعة البطاطا الصحراوية إلى قصة نجاح وطنية غيّرت خريطة الإنتاج الفلاحي في الجزائر، بعدما أثبتت أن الأراضي الصحراوية، التي كانت تُعد في الماضي غير ملائمة لهذا المحصول، قادرة على تحقيق إنتاج وفير وعالي الجودة بفضل اعتماد تقنيات الري الحديثة والاستغلال العقلاني للمياه الجوفية.
وكانت ولاية وادي سوف أولى المناطق التي احتضنت هذه التجربة الرائدة، حيث تمكن الفلاحون من تحويل الكثبان الرملية إلى حقول منتجة للبطاطا، مستفيدين من خصائص التربة الرملية التي توفر تهوية ممتازة للجذور، وتحد من انتشار العديد من الأمراض الفطرية، إلى جانب اعتماد أنظمة الري المحوري والري بالتنقيط، ما سمح بتحقيق مردودية مرتفعة وجودة متميزة للمحصول.
ومع النتائج الإيجابية التي حققتها التجربة، بدأت ولايات صحراوية وشبه صحراوية أخرى في تبني هذا النموذج، على غرار المنيعة والمشرية والنعامة، إضافة إلى مناطق أخرى، حيث توسعت المساحات المزروعة بالبطاطا تدريجياً، وأصبحت هذه الولايات تساهم بقسط معتبر في تموين الأسواق الوطنية، خاصة خلال الفترات التي ينخفض فيها الإنتاج في المناطق الشمالية.
وساعد هذا التوسع على ضمان وفرة البطاطا على مدار السنة، والحد من التقلبات الموسمية في التموين، وهو ما انعكس إيجاباً على استقرار السوق الوطنية، وأسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليص الحاجة إلى اللجوء إلى الاستيراد، في ظل تزايد الطلب على هذه المادة الأساسية واسعة الاستهلاك.
كما شكلت البطاطا الصحراوية فرصة حقيقية لتنويع النشاط الاقتصادي بالمناطق الجنوبية، من خلال خلق مناصب شغل جديدة، وتشجيع الاستثمار في الفلاحة الصحراوية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، مثل التخزين والتوضيب والنقل والتحويل الغذائي.
ويعود نجاح هذه التجربة إلى تكامل عدة عوامل، من بينها الخبرة المتراكمة لدى الفلاحين، والدعم التقني الذي وفرته مؤسسات البحث والإرشاد الفلاحي، إلى جانب برامج الدولة الرامية إلى توسيع المساحات المسقية وتشجيع الاستثمار الفلاحي في الجنوب، مع توفير التجهيزات الحديثة ومرافقة المستثمرين.
ويستدعي تطوير هذا النموذج ترشيد استغلال الموارد المائية، والحفاظ على المخزون الجوفي، ومواجهة آثار التغيرات المناخية، ما يتطلب مواصلة تطوير التقنيات الزراعية، والاعتماد على أصناف أكثر مقاومة للإجهاد المائي، وتعزيز الممارسات الزراعية المستدامة.
ويؤكد خبراء القطاع أن تجربة البطاطا الصحراوية أصبحت نموذجاً يحتذى به في استغلال الإمكانات الطبيعية للمناطق الصحراوية، وأن نجاحها يشجع على توسيع زراعة محاصيل استراتيجية أخرى، بما يعزز مكانة الجزائر كمنتج فلاحي قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من الشعب، ويجعل من الصحراء فضاءً واعداً للاستثمار الزراعي والتنمية المستدامة.