حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يُعد سقوط الثمار من أكثر المشاكل التي تؤرق الفلاحين خلال مختلف مراحل نمو الأشجار المثمرة، إذ قد يؤدي في بعض الحالات إلى خسارة تتراوح بين 30 و70 بالمائة من الإنتاج، خاصة عندما يكون السقوط ناتجاً عن عوامل مرضية أو اختلالات تقنية يمكن تفاديها. غير أن المختصين يؤكدون أن جزءاً من هذه الظاهرة يبقى طبيعياً وضرورياً لضمان نمو الثمار المتبقية وتحسين جودتها.
ويُفرق الخبراء بين نوعين من سقوط الثمار، الأول طبيعي يعرف بعملية “خف الثمار”، والثاني غير طبيعي ينتج عن عوامل بيئية أو تغذوية أو مرضية تستوجب التدخل السريع.

السقوط الطبيعي.. آلية دفاعية لتحسين الإنتاج

تبدأ أولى موجات السقوط الطبيعي مباشرة بعد مرحلة العقد، حيث تتخلص الأشجار من نسبة كبيرة من الأزهار غير الملقحة، والتي قد تصل إلى 70 بالمائة من إجمالي الأزهار. وتعتبر هذه العملية ضرورية لضمان توجيه العناصر الغذائية نحو الثمار القابلة للنمو.
أما الموجة الثانية فتحدث بعد ثلاثة إلى أربعة أسابيع من العقد، حيث تقوم الشجرة بإسقاط الثمار الضعيفة أو المشوهة أو التي لم تتلق تغذية كافية، في إطار عملية انتقاء طبيعية تسمح ببقاء الثمار الأكثر قدرة على التطور.
وتظهر الموجة الثالثة قبيل النضج، خاصة لدى بعض الأنواع مثل الزيتون والمانجو، حيث تتخلص الشجرة من جزء من حملها الثمري من أجل تحسين حجم وجودة الثمار المتبقية.
ويرى المختصون أن هذه الظاهرة طبيعية ولا تستدعي القلق ما دامت في حدودها المعروفة، لكن ارتفاع نسبة السقوط بشكل غير اعتيادي يستوجب البحث عن الأسباب الحقيقية واتخاذ التدابير المناسبة.

 اختلال الري والظروف المناخية أبرز الأسباب

تشكل العوامل الفسيولوجية والبيئية أحد أهم أسباب سقوط الثمار غير الطبيعي، حيث يؤدي ضعف التلقيح والإخصاب الناتج عن موجات البرد أو الحرارة المرتفعة خلال فترة الإزهار إلى فشل العقد وسقوط الأزهار والثمار الصغيرة.
كما أن سوء تسيير عملية الري يمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم المشكلة، إذ يتسبب تعريض الأشجار لفترات جفاف طويلة ثم إغراقها بكميات كبيرة من المياه في إحداث صدمة للجذور وانعكاسات مباشرة على الثمار.
وتؤدي الفروقات الكبيرة بين درجات الحرارة ليلاً ونهاراً إلى إجهاد النبات خلال مرحلة العقد، فيما تتسبب الرياح القوية في إسقاط الثمار عبر إضعاف أو تمزيق الأعناق الثمرية، خاصة لدى أشجار الحمضيات والزيتون.
ومن بين العوامل الأخرى، زيادة الحمل الثمري على الأشجار، حيث تصبح غير قادرة على تغذية جميع الثمار الموجودة عليها، ما يدفعها إلى التخلص تلقائياً من جزء منها.

التغذية المعدنية المتوازنة مفتاح تثبيت الثمار

يلعب التسميد دوراً محورياً في الحد من ظاهرة سقوط الثمار، إذ يؤدي نقص بعض العناصر الغذائية إلى اضطرابات كبيرة في عملية العقد والنمو.
ويعتبر عنصر البورون من أهم العناصر المسؤولة عن نجاح التلقيح وتكوين الثمار، حيث يؤدي نقصه إلى ضعف الإخصاب وتساقط الثمار في مراحلها الأولى، إضافة إلى ظهور تشققات وتشوهات على الثمار المتبقية.
كما يعد الكالسيوم عنصراً أساسياً في تقوية الأنسجة النباتية وربط الخلايا ببعضها، وعند نقصه تصبح منطقة اتصال الثمرة بالشجرة ضعيفة وسهلة الانفصال.
أما البوتاسيوم، فهو المسؤول عن نقل المواد الغذائية نحو الثمار وتحسين نموها وجودتها، ويؤدي نقصه إلى إنتاج ثمار صغيرة وضعيفة أكثر عرضة للسقوط.
في المقابل، يحذر المختصون من الإفراط في استعمال الأسمدة الآزوتية خلال فترة العقد، لأن ذلك يدفع الأشجار إلى التركيز على النمو الخضري وإنتاج الأوراق بدلاً من تغذية الثمار.

الأمراض والحشرات تهدد المحصول

تسهم العديد من الأمراض الفطرية في زيادة معدلات سقوط الثمار، على غرار البياض الدقيقي ولفحات الأزهار وأعفان الثمار، حيث تهاجم هذه الأمراض الأنسجة الحاملة للثمار وتؤدي إلى انفصالها المبكر.
كما تلعب الحشرات دوراً كبيراً في هذه الخسائر، خاصة ذبابة الفاكهة وديدان الثمار والعناكب الضارة وبعض الحشرات الثاقبة الماصة، التي تضعف الثمار أو تنقل أمراضاً فيروسية تؤدي إلى سقوطها قبل الأوان.
وفي بعض الحالات، تتسبب الأمراض البكتيرية، مثل التقرح البكتيري لدى الحمضيات، في سقوط الثمار وهي ما تزال خضراء.

إجراءات وقائية لحماية الإنتاج

ولتفادي السقوط غير الطبيعي للثمار، ينصح المختصون باتباع برنامج متكامل يشمل تنظيم الري والحفاظ على رطوبة متوازنة للتربة دون إفراط أو تفريط.
كما يُستحسن إجراء رشات وقائية بعناصر البورون والزنك قبل الإزهار بحوالي أسبوعين، ثم التركيز على الكالسيوم والبوتاسيوم بعد العقد مباشرة من أجل دعم تثبيت الثمار وتحسين نموها.

وتبقى المراقبة الدورية للبساتين ومكافحة الآفات الزراعية منذ بداية الموسم من أهم الوسائل الوقائية، إلى جانب إقامة مصدات للرياح في المناطق المكشوفة والالتزام بعمليات التقليم المدروسة التي تضمن التوازن بين النمو الخضري والإنتاج الثمري.
ويشير المختصون إلى قاعدة بسيطة تساعد الفلاح على تحديد سبب سقوط الثمار؛ فإذا كانت الثمرة الساقطة تحمل عنقاً أصفر وجافاً فإن السبب غالباً فسيولوجي أو مرتبط بالتغذية والري، أما إذا كان العنق بنياً أو طرياً وتظهر عليه آثار إصابة، فإن السبب يكون غالباً مرضياً أو حشرياً.